مقدمه
للفصل الأول
ضمينى ياما ضمينى
و احمينى
من برد الشتا
و من الطوفان لما ابتدا
اسقينى من ماء المطر
و من السهر
غطينى
كان نفسى اسمع غنيوه
أو حدوته
و انام واحلم
ببنوته
زى القمر
قلبى انفطر
و كوب اللبن
وقع من إيدى
و انكسر
لما اتفزعت فى المسا
وسمعت زمارة الخطر
زمارة الخطر كما كنا نطلق عليها
كانت نذيرآ بغارة جوية اثناء زمن الحرب,
عندها كانت تطفأ الانوار و يغلف الظلام كل شئ
و يهرع الناس الى البيوت و الى المخابئ
ثم يبدأ مسلسل الرعب بسماع اصوات القنابل و المتفجرات تدوى.
كنت فى الرابعة من عمرى حينئذ عندما سمعت صافرة الأنذار أو زمارة الخطر هذة للمرة الأولى.
كنا فى منتصف الليل وبعد أن ذهبت للفراش بجوار امى فاطمة
و التى نشأت فى اسرة فقيرة فى منطقة دار السلام فى جنوب القاهرة
حيث اضطر الأب على عبد الهادى نجار المسلح أو بمعنى أخر عامل البناء ان يسافر
لكسب العيش في سوريا كى يتمكن من الإنفاق علي زوجتة سعدية
وعلى أطفالة نادية و فاطمة ,أمى, و سامية و نبيهة و سعاد و جابر.
و لعل جدى على كان سعيدآ عندما تقدم ابى محمد الشريف تاجر المانيفاتورة
لخطبة امى و كذلك جدتى سعدية فقد رؤا ان الحظ قد ابتسم لفاطمة
و انها ستهنأ بمستوى معيشة افضل مما امضتة فى ثلاث و عشرون عامآ
خلت من عمرها.
اقيم العرس و لم يمض العام الأول حتى جئت أنا للحياة
و على الفور اطلق على ابى اسم ابية سيد تاجر المانيفاتورة
فى حارة اليهود بمنطقة الموسكى التجارية المكتظة بالزبائن
والذين جاؤا من كل انحاء البلاد لتسوق السلع المختلفة.
و على عكس اسرة امي التي كانت تنحدر اصولهامن شبين الكوم
عاصمة محافظة المنوفية في دلتا النيل
رحل جدى لأبى سيد مع ابيه نصرالدين الشريف من كفر جرزة
فى صعيد مصر الى القاهرة حيث سكنت الاسرة فى منطقة مصر القديمة
بينما بدأ الأب عملة فى التجارةهناك فى حى الموسكى.
احتضنتى أمى بقوة حيث كنت ارقد بجوارها فى الفراش
واخذت أنا أتشبث بجلبابها اسمر اللون والمزركش بزهور وردية
و اخذت انظر الى سقف الحجرة الرمادى ثم إلى أركانها .
لم يكن هناك سوى هذا السرير الخشبى الذى كنا نرقد علية
ودولاب ملابس أبى و أمى بنيآ داكن اللون مضى زمن غير قصير على صنعة
فصار قديمآ يغلق بالقوة فقط ليحبس بداخلة ملابس امى و بعض ملابس أبى
والذى أخذ البعض الأخر معة فى سفرة والذى كان قد قارب على الشهر فى هذة الليلة.
كان أبى يسافر من الحين للأخر للتجارة و لم أكن أدرى و أنا الطفل الصغير
أين كانت تقع تلك البلاد التى كان يذهب إليها
إلا أن أبرز ألأسماء التى كنت أسمعها حينئذ كانت سوريا و لبنان.
كان على أمى و فى غياب أبى ان تتولى بمفردها رعايتى و رعاية أختى سهام
التى لم تكن تتعد العامين من عمرها بعد .
شعرت بنبضات قلب أمى تخفق بسرعة
و قطرات العرق تتصبب من جيبنها فتسقط على رسمات الزهور الوردية فى جلبابها الأسمر
و كأنها زهور طبيعية كانت تتعطش لأن تروى .
وبدأت أمى تتلو بعض الأيات القليلة التى كانت تحفظها من القرأن..
قل أعوذ برب الناس
ملك الناس
إلة الناس
من شر الوسواس الخناس
الذى يوسوس فى صدور الناس من الجنة و الناس..
واصلت أمى الدعاء بالنجاة و الستر
و أنقطعت زمارة الخطر بعد دقائق مرت و كأنها ساعات طوال ....
نهضت فى الصباح و اخذت أمى تساعدنى فى إرتداء ملابس روضة الأطفال
و تضع لى فى الحقيبة الصغيرة سندوتشات الفول و الجبن
ثم أخذت بيدى و هبطنا سلالم الدرج من الدور السادس حيث كنا نسكن
إلى الشارع و شرعنا بالسير في شارع حسن الأنور الطويل
و الممتد من مجرى العيون إلى جامع عمرو بن العاص
العتيق و الذى يعد أول مسجد بنى فى مصر بعد الفتح الاسلامى لها,
هو نفسة المسجد الذى صرت فيما بعد أسمع عنة الأقاويل والشائعات
و منها أن هذا المسجد سوف يطير بالمصلين بة اثناء صلآة الجمعة الأخيرة
من شهر رمضان يوماً ما,
و بالطبع و كما كانت تقول الرواية فأن المسجد سيطير الى الجنة
و سيطير معة المصلون المتواجدون بة و الذين سيكونوا من السعداء.
و هناك عند نهاية الطريق و قبل الوصول لمفترق الطريق
عند جامع عمرو بن العاص و الكنيسة المعلقة
و هى إحدى الكنائس القبطية التاريخية فى مصر القديمة،
كان هناك هذا الميدان الفسيح حيث ترامت على أطرافة أماكن تجمع الحرفيين
الذين كانوا يعملون فى صناعة القدور و الأوانى الفخارية بأشكالها المختلفة.
و أثناء مرورى مع أمى هناك و قبل الوصول لدار روضة الاطفال بقليل
كان هناك كشكاً خشبياً صغيراً يبيع السجائر و الحلوى و الجرائد والمجلات،
و منة سمعت تلك الأغنية الصادرة من المذياع الخشبى العتيق
و كبير الحجم مقارنة بالأجهزة الحديثة فى يومنا هذا،
و الذى كان معلقاً على أحد الأرفف التى كان يعلوها الغبار فى هذا الكشك الصغير
على الرغم من قدمة كان صوتة عالياَ بصورة ملفتة حتى أنة كان يثير إنتباة
كل من يمر فى هذا الطريق.
حينئذ طربت لسماع تلك الأغنية ذات اللحن الحماسى،
كلماتها الرنانة ما زالت ترن فى أذنى
على الرغم من مضى عشرات السنوات على سماعها،
كانت الكلمات تقول(خللى السلاح صاحى صاحى،سلاحى فى إيدية.... .)
و لعل بقية الكلمات ذابت فى ذهنى مع مضى الزمن.
فى عام ١٩٧٣ كانت الفرحة الكبرى فى كل مكان حولى و أنا الطفل الصغير إبن الرابعة،
معركة التحرير و الكرامة ،
لقد حاربنا و هزمنا اسرائيل ،
رفعنا رؤوسنا و رؤوس كل العرب مرة ثانية،كلمات عديدة ذات معانى كبيرة،
لم أكن بعد أدرك محواها إلا أنى كنت أدرك أن البلد فى فرح،
و أن هناك نصر و أن طعم الإنتصار جميل.
صار كشك الجرائد هذا مصدر فرح و سعادة لى كل مرة كنت أمر فيها من هناك
مع أمى متوجهاً الى دار روضة الأطفال حيث توالت أغانى و أناشيد النصر تنبعث
من المذياع العتيق و معها كان قلبى يطرب بل و يرقص أحياناً.
آة يا ابن عمى
من الجفا
زمان أبويا و ابوك
لعبوا سوا
و اتعلموا
إزاى يوحدوا ربنا
و يبوسوا إيد
جدى الكبير
و يسبحوا
و يصوموا
و يصلوا
و لا عمرهم
كلوا الخنزير
و لا
سجدوا لصنم
ابوك وابويا
داقوا نفس الألم
بنفس موس الطهارة
اللى انكتب
علينا
من جدى ابراهيم
و فى العام التالى كان هناك الإستعداد لحدثين سعيدين فى حياة الطفل الصغير
أولاهما كان حفل الطهارة و قد كنت أشعر بالرعب عندما كنت أسمع من أقرانى
الصبيان عنة و عن هذا الرجل الذى سيأتى و معة مقص ليقص عضوى الذكرى
ثم يتركنى بعدها للدماء و الدموع و الألام.
و الحدث الأخر كان إلتحاقى بالمدرسة الأبتدائية و يبدو أن والديا الذان لم يكملا تعليمهما
و لم يعرفا أى لغات دون العربية قد عانا كى يستطيعا أن يلحقوني بالمدرسة الأسقفية
و التى كانت تقع على ضفاف نهر النيل بمنطقة منيل الروضة.
و لأنها كانت مدرسة خاصة معروفة بمستواها التعليمى الراقى
و بتدريس اللغة الإنجليزية من المراحل الأولى كانت مصاريف الإلتحاق بها مرتفعة
الأمر الذى لم يكن فى مقدور أى شخص أن يستطيع توفيرة لأبنائة
إلا المقتدرين من الطبقة العليا أو طبقة التجار و التى كان ينتمى لها أبى,
محمد الشريف تاجر المانيفاتورة, أو الأقمشة فى حارة اليهود بحى الموسكى ,
أكبر مراكز التجارة و الصياغة فى قاهرة المُعزعاصمة المحروسة, أم الدنيا, مصر.
عندما أتى حلاق الصحة ليطاهرنى كانت دموعى قد جفت ,
كان الرجل فى الأربيعينيات من عمرة , قصير القامة, ذو وجة مستدير و صغير ,
يرتدى نظارة ذات عدسات مقعرة و سميكة ,
و بدا الصلع و قد زحف على نصف شعرة الأمامى و لم يتبق من شعرة إلا
جزء صغير فى المؤخرة و كان يرتدى معطفاً أبيض يشبة هذا الذى يرتدية الممرضون
فى العيادات و المستشفيات, بينما كانت تفوح منة رائحة صبغة اليود
و التى كان يستخدمها الناس فى تطهير الجروح.
و قبل مجئ حلاق الصحة كان أبى قد إتفق مع عم جمال الكهربائى على أن يأتى
مع عمالة إلى سطح بيتنا و المواجة لشقتنا فى الطابق السادس و أن يقوم بتعليق
الزينات الكهربائية , و بالفعل جاءوا بعد أن حملوا الصناديق الثقيلة و التى كانت معبأة
بالمصابيح و الأسلاك الكهربائية حيث كان العرق يتصبب منهم ثم أخذوا يعلقون
صفوف المصابيح بأشكال هندسية عديدة كالدوائر و المثلثات و غيرها.
و عندما إنتهوا من هذا العمل الشاق قاموا بتوصيل الكهرباء و تلألأت الأضواء بألوانها المختلفة,
الآحمر والأخضروالأزرق تضاء وتطفأ ثم تضاء وتطفأ و كأنها كانت تعلن العد التنازلى
لنزول عم شُكرى حلاق الصحة إلى حلبة النزال فوق سطح البيت
و معة عِدة المقصات و المشارط ليبدأ مُهمتة الخاصة.
وفى ذات الوقت كانت أبلة زينب زوجة عم عبد القادر الخباز وأمها، ستِ أم على
و كذلك بنتها الصغيرة منى قد كن صعدن إلي شقتنا منذ الصباح الباكر
و أخذن يساعدن أمى فى طهى المأكولات الشهية المتنوعة من محشى كرنب
و ورق العنب و كذلك المعكرونة بصوص البشامل, كفتة بصلصة الطماطم
و أيضاً فتة الأرز باللحم الضانى ,
و أيضاً اعداد المشروبات المختلفة كشربات الورد و شربات المانجو
كما تجمع عدداَ من نساء الجيران فى السطح, و أخذن يغنين و يرقصن,
لا زلت أذكر بعض تلك الأغانى و منها, أيوة يا واد يا ولعة..خدها و نزل الترعة,
و كذلك, إتدلع يا رشبدى على وش الماية...و أغانى شعبية أخرى
لم أكن أفهم معظم معانيها إلا أن كلماتها كانت تبعث الفرح و السرور فى النفوس.
أما أنا فقد ألبستنى أمى جلباباً أبيض اللون و كذلك طاقيةً بيضاء قبل أن أجلس مع أصدقاء أبى,
عم فتحى و عم عبد القادر و عم محمد الحمصانى صاحب البيت,
و كانوا قد أخذوا يحتسون شربات الورد و المانجو أثناء تبادل الحديث فى السياسة ،
يا ترى جولدامائير ها تعمل إية مع السادات، تسائل عم فتحى،
و أجابة عم محمد الحمصانى، خلاص حكومة جولدامائير إنتهت و ستأتى حكومة جديدة.
تمالكت شجاعتى و سألتهم، لماذا يجب علّى أن أخضع لعملية الطهارة تلك؟
أجابنى عم عبد القادر الخباز جارنا القاطن فى شقة فى الدور الأرضى
مع زوجتة أبلة زينب و أمها المُسنة و كذلك أطفالهما الخمس،
هذة هى سُنة النبى إبراهيم علية السلام, أبو الأنبياء جميعاً,
ثم استطرد عم فتحى صديق أبى و الذى كان يشاركة معظم أمسياتة فى لعب الطاولة
و تدخين الشيشة على مقهى الزُهرى , ذلك المقهى الذى كان يقع على ناصية تقاطع
شارع حسن الأنور الذى كنا نسكن فية و شارع العشرين,
و كان الكثيرون من رِجال المنطقة يتجمعون على هذا المقهى فى المساء ليتسامروا,
إستطرد قائلاً ،لقد قام أبونا إبراهيم بأول عملية طهارة لنفسة مستخدماً شفرة أو موس
صنعة من أحد الأحجار و هو فى سن الثمانين و كذلك فعل الأمر ذاتة مع ولدية ,
النبى إسماعيل علية السلام, جد العرب و النبى إسحق علية السلام جد اليهود.
سرحت أفكر و قد بدا لى أن الأخوين قد ذاقا نفس الألم و المعاناة التى سوف أتعرض لها،
و ما لى أن أعترض أو أتبرم و تلك سُنة كرام الأنبياء و التى سار على نهجها
و لا يزال يتبعها أبناء العم من المسلمين و اليهود.
كان عم شكرى قد إحتسى شربات الورد قبل أن يقرر بدء مهمتة,
و بينما كان الجميع هناك في السطح يرقصون و يشربون الشربات
إصطحبنى أبى من يدى قائلاً, متخافش مش هاتحس بأى حاجة ،
خلاص إنت بعد الطهارة ها تكون راجل تمام التمام و زى الفُل ,
دخلنا إلى شقتنا حيث كانت أمى و نساء الجيران تجمعن فى المطبخ
لإنهاء طبخ الأطباق الشهية دخلنا غرفة نوم أبى و أمى , أجلسنى أبى على السرير,
وكنت و أنا أرتدى الجلباب الأبيض, بدأت أرتجف من الرعب إلا أنى تظاهرت بالتماسك,
و جاء عم شكرى و جلس على أحد أطراف السرير, ثم همّ بفتح حقيبتة و التى كانت تبدو
كصندوق خشبى بنى اللون تفوح منها تماماً كما تفوح منة هو نفسة رائحة صبغة اليود.
فتح الحقيبة ، تسارعت دقات قلبى ،
أخرج عِدتة الفضية من مقصات و مشارط و أعطاهم لأبى بعد أن وضعهم فى إناء معدنى
كانت أمى قد أحضرتة من المطبخ بناء على طلب عم شكرى.
و طلب منه أن يقوم بغلى الإناء على موقد الطعام ليتم تطهير الأدوات .
تعالت زغاريد أمى و نساء الجيران فى أنحاء المكان ،
لم أعد قادراً على سماع أى شئ أخر،
إتجة حسى ووجدانى إلى حيث كان الإناء المعدنى يسخن و ما بة من مقصات و مشارط ،
طلب أبى منى أن أخلع لباسى الداخلى أبيض اللون و المصنوع من القطن،
شعرت بالخجل الشديد و أحمر وجهى على الرغم من أنة لم يكن يوجد فى الغرفة دونى
سوى أبى و عم شكرى. بينما كانوا، عم فتحى و عم عبد القادر و كذلك عم محمد الحمصانى،
قد دخلوا جميعاً من السطوح إلى شقتنا و أستمروا يتبادلوا الحديث فى غرفة الضيوف.
أحضرت أمى الإناء المعدنى بعد أن تم تطهير محتوياتة بالغلى على النار ،
تساقطت قطرات دموع هادئة من عيني،
كانت قطرات الدمع آنذاك لا تقل سخونة عن الإناء المعدنى!
وضع عم شكرى الأناء على منضدة صغيرة بجوار السرير،
شمر عن ساعدية ، إرتدى قفازاَ مطاطياً أبيض اللون ،
طلب من أبى أن يُجلسنى على الكرسى الخشبى العالى
و الذى كان أبى قد أدخلة من الصالة إلى غرفة نومة فيما سبق
و بناء على طلب عم شكرى ، إختلست النظر إلى باب الغرفة حيث كانت أمى و نساء الجيران
يقفن خلفة و يترقبن اللحظة . جلستُ على الكرسى الخشبى .
كان أبى يقف بجانبى , يضع يدة على الطاقية البيضاء فوق رأسى تارةً ,
يمسك بيدى تارةً ، أو يطبطب على ظهرى بلمسات حانية تارة أخرى.
أخرج عم شكرى من حقيبتة الخشبية بُنية اللون قطعة كبيرة من الشاش الأبيض
و كذلك زجاجة بها سائل ذو رائحة نفّاذة، وضع الشاش على فوهة الزجاجة
و أخذ يسقط قطرات كبيرة من السائل على الشاش الأبيض و الذى صار لونة مائلاً للإصفرار ،
إفتح رجليك!
قالها عم شكرى فتسارعت دقات نبضى ،
و تصبب منى العرق،
جَلس على ركبتية، أدخل يدة اليسرى و التى كان بها الشاش المبلل
بتلك المادة نفاذة الرائحة ووضعة على عضوى الذكرى.
حينئذ شعرت و كأن لوحاً من الثلج مثل تلك الألواح التى كانت تباع على الرصيف
و بجوار جامع عمرو بن العاص فى أيام الصيف الحارة قد لامسنىّ ،
كانت ألواح ثلجية طويلة تبدأ فى الإنصهار قبل أن يأتى أحداً لشرائها بقروش زهيدة
ليضعها فى الماء و المشروبات الأخرى فى بيتة فترطبها
و يشرب منها أهل البيت علها تخفف عنهم وطأة حرارة صيف القاهرة القاسية.
برودة شديدة !
ضغط أبى بكف يدة اليمنى، و الممتلئة، على يدى اليمنى الصغيرة
بينما إحتضننى بذراعة اليسرى من الخلف ،
مبروك يا عرب! خلاص بقيت راجل!
ما أن قالها عم شكرى حتى إنطلقت زغاريد أمى و نساء الجيران ،
لم أشعر بأى ألم !
أحقاً إنتهى الأمر!
فرغ شكرى من لف الشاش و القطن على عضوى الزكرى .
أنزل الجلباب الأبيض ،
نادى أبى على أمى لتجهز أطباق العشاء الفاخر ليأكل جمع الحضور،
تعالت الضحكات و أرتفعت أصوات النسوة بالغناء مرة أخري،
ذهبت فى نومٍ عميق!
و فى اليوم التالى أستيقظت قبل بزوغ الفجر،
نزلت من على سريرى و الذى يبدو أنهم نقلونى إلية أثناء نومى،
سرت إلى الحمام مُباعداً بين رِجلىّ،
أزحت القطن و الشاش الأبيض كى أستطيع أن أتبول,
شرعت فى التبول،
إعتصرنى ألم رهيب ،
بدا لى و كأنى سأتبول أسياخ حديد قادرة على تمزيق أحشائى أولاً قبل التبول!!
إلتحقت بمدرسة الأسقفية الابتدائية فى سن السادسة ، و كنت أشعر بسعادة بالغة
عندما كنت أعبر الجسر أو كوبرى منيل الروضة كما كان يطلق علية و ذلك بعد السير من بيتنا
فى شارع حسن الأنور و مروراً بنفق الملك الصالح حيث كنت أتطلع لمشهد النيل
من فوق الجسر و الذى كان يربط منطقة مصر القديمة بجزيرة الروضة .
كان مشهد نهر النيل الممتد على طول البصر
الذى لا يستطيع أن يدرك بدايتة أو نهايتة يمثل لى تماماً الحياة و المستقبل المجهول
الذى كنت مقبلاً علية .
كنت أفكر و أنا بعد فى هذا السن الصغير فى مستقبل حياتى المجهول،
كان هناك دائماً تساؤلاً يخامرنى، تُرى هل سأعيش حياتى المقبلة فى بلدى هذا و وسط أهلى؟!
أم أنى سأرحل إلى مكان بعيد لا أعلم حدودة؟!
و ترى أين يكون هذا المكان، أين بدايته و أين نهايتة؟!
و لعل الحلم بالسفر و الترحال كان يروادنى منذ نعومة أظافرى
و منذ سنوات عمرى المبكرة، كان يراودنى دائماَ الشعور بأنى سأرحل يوماً ما إلى مكان ما بعيد ،
لا يقل بعداً عن منابع نهر النيل البعيدة و الضاربة بعمق فى القارة السوداء !
و فى المدرسة كنت أستمتع بدروس الحساب و كنت أتفوق فيها على أقرانى
من التلاميذ الأخرين
و عندما شعرت مدرسة الفصل بأن الغرور بدأ يصيبنى جراء تفوقى
المستمر هذا عمدت على أن تشير إلى عِزت،
التلميذ المرح و الذى كان يجلس بجوارى فى الفصل،
بأنة هو الفائز فى إحدى مسابقات الحساب الت كانت تجريها لنا من الحين للأخر
على الرغم من أنى كنت أسرع منة فى ألإجابة آنذاك ،
و أستلزم الوقت عشرات السنين و بعد أن عملت أنا نفسى بالتدريس فيما بعد،
كى أتفهم شعور و فِكر مدرسة الفصل حينئذ.
إلا أنة و فى هذا الوقت , و فى عمر السادسة , كانت هذة هى أول تجاربى فى الشعور
بالظلم و الإضطهاد، ليس هذا فحسب بل و بدأ ينتابنى شعور بالإستنفار
و عدم الراحة لوجودى فى الفصل و رؤية المُدرسة تلك
و قد تنفست الصعداء عندما إنتهى العام الدراسى و جاءت إلينا مُدرسة جديدة فى العام التالى.
و كانت هذة التجربة المبكرة لرفض الظلم بل و كرهة
حتى و لو كان لهذا الظلم مبرراً تربوياً أو إنسانياً أخر.
و فى فترة الفُسحة، أو بمعنى أخر راحة الظهيرة،
كُنت ألعب كُرة القدم مع عزت، زميلى فى الفصل،
و بدأ كلانا يذداد عِشقاً لكرة القدم يوماً بعد الأخر،
و فى الحقيقة لم تكن هناك كرة فى معظم الأحوال بل كنا نلعب بأحجار
و زلط أو ببذور الدوم ! أو أىّ شئ مستدير !
وبالطبع كانت أحذيتى هى الضحية الأولى لتلك المباريات
فقد كانت تتمزق على الفور و بعد شرائها بأيام قليلة ،
و كنت أنا الضحية الثانية حيث كنت أتعرض للتوبيخ بل و للضرب أحياناً من أُمى.
و فى المدرسة الإبتدائية كانت هناك دروس اللغة العربية,
ومنها أتذكر درس ,الأرنب الغضبان, و الذى درسناة ضمن منهج القراءة.
كان الأرنب فى هذة القصة يغضب حين يأتى وقت الطعام و يردد عبارتة المشهورة،
كُل يوم خس و جزر؟!
مُتبرماً من طعامة اليومى الذى لا يتغير,
و كم كُنت أُشفق على الأرنب المسكين و أرثى لحالة
على الرغم من أن القصة كانت تنتقدة و تنصحة,
و بالتالى تنصح كل التلاميذ بالقناعة و الرضاء بما فى اليد.
كنت أرى أنة للأرنب المسكين الحق فى تذوق أصناف أخرى من الطعام.
و علاوة على هذة القصة كان هناك نشيداً لا زلت أتذكر مقاطعاً منة,
كانت تقول; لى أخ مُجند،
إسمة محمد،
قام فى الصباح،
يحمل السلاح،
قال إنى ذاهب،
يا أخى أُحارب،
مِصرنا تنادى،
أُمنا تنادى.
و كم كنت أتخيل نفسى البطل مُحمد و الذى يتغنى بة أخوة الصغير
و يفتخر ببطولاتة فى الحروب و المعارك.
و فى أحد الأيام و عندما كنت أعبر جسر منيل الروضة كالعادة أثناء ذهابى للمدرسة
فى الصباح الباكر لفت نظرى مشهداً مثيراً حيث كنت قد رأيت ثلاثة من الشبان فى ريعان العمر
كانوا يرتدوا ملابساً غريبة و يستعدوا للنزول إلى النهر،
و ذهبت إلى المدرسة وأخبرت مدرسة الفصل بما رأيت فأخبرتنى بدورها بأن
هذة الملابس ما هي إلا عِدة الغطس و التى يتذود بها الغطاسون
مع أنابيب الأكسجين لمساعدتهم على التنفس تحت الماء,
و ظللت طوال اليوم أفكر فى هؤلاء الشبان فكم كان منظرهم رائعاً فى تلك الملابس
والتى فيها كانوا يشبهون أُلترامان و جرانديزر و الشخصيات الخرافية الأخرى
التى كانت تظهر فى حلقات الأنيمشن أو الرسوم المتحركة اليابانية
التى كانت تبث فى التلفاز من الحين للأخر,
و مضى اليوم الدراسى و عند العودة من المدرسة و أثناء عبورى للجسر ذاتة
وقع نظرى على أحد هؤلاء الشبان و كان قد إنتشل جثتى زميلية
و أخذ بوضعهم على حافة شاطئ النهر أسفل الجسر,
و سمعت جموع الناس التى كانت قد تجمعت تتهامس بأن الأكسجين قد نفذ أثناء الغطس
مما أودى بحياة الشابين!
و هنالك شعرت بصدمة شديدة وكذلك أنتابني شعوراً بالخوف من الأنهار و البحار
و كذلك بالسباحة فيها,
و كأنة الخوف من المجهول و الذى ظل يلازمنى منذ تلك المرحلة المبكرة
و لفترة طويلة فى حياتى.
عندما بلغت الثامنة و أنتقلت للصف الثالث كنت أختى سهام كانت قد بلغت السادسة
و التحقت بالصف الأول فى نفس المدرسة, و كان علىّ أن أصحبها و ألازمها
فى طريق الذهاب و العودة من المدرسة كما كانت توصينى أمى،
و فى أحد الأيام و أثناء العودة وبعد إنتهاء اليوم الدراسى حدث أمر غريب
فقد كنت أسير على حافة السور الداخلى لنفق الملك الصالح و فجأة نظرت إلى أختى سهام
التى كانت تسير على الطريق بالقرب منى و دون أن تقلدنى فى فعلتى الخطيرة تلك
بالسير على حافة السور, و ما أن وقع نظرى على أختى إلا و رأيت خلفها شبح أسود و مخيف,
ميزتة بأنة شبح امرأة ,,
كانت تنظر لى بغيظ و غضب , بينما كانت تقف خلف أختى تماماً و كأنها تحيط بها ,
كانت نظرات المرأة مخيفة أشعرتنى بدوار فى رأسى و لم أشعر بنفسى إلا و أنا أسقط
من على حافة سور النفق و الذى كان يرتفع لمسافة خمسة أو ستة أمتار فوق مجرى النفق
حيث كانت تجرى السيارات فى إتجاة مصر القديمة و على الجانب الأخر فى إتجاة منيل الروضة.
و سقطت ممدداً على الرصيف الصغير الضيق و بجوار طريق السيارات المسرعة,
و تجمع بعض الأشخاص حولى و أخذوا يساعدونى على النهوض و من ثم العودة للبيت.
و البيت مكثت فى السرير مريضاً لعدة أيام ,
و عندما تعافيت من مرضى كنت على شبة يقين بأنى و فى غيبوبتى أثناء مرضى هذا
كنت قد ذهبت إلى عالم أخر غير عالمنا هذا الذى نحيا فية,
و كذلك ألتقيت بمخلوقات
أخرى كانت مختلفة عن جنس البشر
أخبرنا والدى بأنة أعد لنا منزلاً جديداً و كبيراً بالقرب من متجرة فى حارة اليهود بمنطقة الموسكى،
و أنة يجب علينا أن نعد أنفسنا للإنتقال للمنزل الجديد بسرعة ،
و على الرغم من الفرحة للإنتقال إلى مكان فسيح وجديد
إلا انه لازمنى شعور بالوحدة لفراق سنوات الطفولة المبكرة فى مصر القديمة
فهناك كنا نسكن فى شقة فى الطابق السادس والاخير بالقرب من مسجد عمرو بن العاص
حيث كنت أعتاد على الخروج الى سطح العمارة الملاصق لباب شقتنا لأتطلع من أعلى
على الشارع اسفل البيت حيث كان الصبية يلعبون الكرة وكذلك على المبنى الكبير
الواسع الممتد امام منزلنا على الجانب الاخرمن شارع حسن الأنور الفسيح
حيث كانت فيه شواهد قبور الاقباط المسيحيين تمتد بالعشرات فى تناسق هادىء.
كل شىء كان هادئاً وملفحاً برائحة الموت ولم يكن يكسر هذا الصمت الا صراخ ام جرجس
المرأة التى كانت تجلس امام سور المقابر الخارجى و التي كان يتجرأ عليها الصبية
احيانا بالقذف بالطوب والصياح يا مجنونة يا مجنونة وقد كانت المسكينة تنهار وتصرخ
وتطاردهم فى الشارع.
لقد كان منظر أم جرجس يثير الرعب فى نفس صبى فى مثل سنى
فقد كانت ترتدى جلباب اسود مترب كالح اللون مهترئ
تناثرت بة الرقع فصار يكشف عن اجزاء من ساقيها المنحولتين والتى كانت اذا وقفت عليهما
فكأن كل هموم الدنيا المثقلة قد وقفت علي عودين من الثقاب .
كان شعرها متسخا ومتدلى على وجهها وكتفيها بينما كانت هناك بقع سوداء
وكأنها بقع زيت سيارات متناثرة على وجهها وذراعيها
لم يبدوا ان المراة قد اغتسلت لسنين خلت.
كان كل شىء فيها يوحى بهيكل شخصية من شخصيات افلام الرعب
مصاصين الدماء دراكولا فرانكشتين تلك الافلام التى كنت ارى اعلاناتها على الجدران
فى الشارع والتى كانت تعرض فى دار عرض سينما ميرندا
والتى لم أكن قد ذهبت اليها بعد إلا أنى كنت أتشوق لزيارتها يوما ما حين أكبر
ولما تسائلت مرة عن قصة ام جرجس اجابتنى امى
مسكينة هى فقد فقدت ولدها الوحيد فى الحرب ومنذ هذا الحين وقد جن جنونها
وظلت هائمة فى الشارع وتقضى معظم وقتها على الجدار الخارجى للمقابر
التى تحوى رفاة قرة عينها.
خيل لى فى تلك الليله ان أم جرجس هناك داخل شقتنا وانها كانت تختبىء
تارة فى حجرة أمى ثم تارة ألمحها تتحرك بسرعة مخيفة مريبة من حجرة الى حجرة
فتدخل حجرتى وترقد تحت سريرى متحفزة تنتظر الفرصة للخروج والانقضاض علي
والانتقام منى فأنا طفل وقد دأب الاطفال فى الشارع على مضايقتها وأهانتها
أو لربما لأنى كُنت أشهد ما يحدث لها من اعلى سطح المبنى الذى كنا نسكن فيه
ومن الطابق السادس ولعل مشاهدتى هذة كانت هى خطيئتى والتى قررت ام جرجس
ان تعاقبنى عليها
خرجت من تحت السرير,
هرعت الى الحمام,
مكثت هناك تنتظرنى!!
كانت تعلم ان برد الشتاء القارص يزعجنى
وتزداد رغبتى بالتبول
واخراج مافى جسدى من سوائل
وبالفعل ازدادت رغبتى بالتبول
الا انى لم يكن لدى الحد الادنى من الشجاعة او تحدى الموقف كى اذهب للحمام واتبول
لقد كانت فرصتها الذهبية للانقضاض على
لم ادرى ماذا كانت ستفعل بى
ولكن مجرد التفكير بأنها اقتربت منى كان يملئنى رعبا
مر الليل طويلا مخيفا باردا
مر وكأنه عاما كامل وليست مجرد ليلة
وفى الصباح ومع اطلالة شمس الصباح نهضت بسرعة لاغير ملابسى الذى كانت مبتلة تماما.
الفصل الخامس
مصر القديمه
أتى ابى بسيارة نقل كبيرة واخذنا ننقل امتعتنا من الطابق السادس الى
حيث كانت السيارة تنتظر امام المبنى رقم 45 فى شارع حسن الانور
هذا المبنى الذى كان شاهداً على ذكريات طفولتى المبكرة
شرائى للفول والطعمية كل صباح من عم سعيد بائع الفول المتجول
والذى كان يتواجد على بعد عدة امتار من مبنانا هذا كل صباح يبيع الفول والطعمية
والبليلة وهو مشروب القمح الذى كنا نشربه مع اللبن والسكر
وكذلك البطاطس والبذنجان المقلى
يا لتلك الزكريات,
لا انسى هذا الصباح عندما اعطتنى امى النقود كى اشترى طعام الافطارمن عم سعيد
وقبل الوصول لعربة عم سعيد الخشبية والمعبأة بقدر الفول والبليلة
وكذلك موقد الكيروسين الذى كان يستعملة فى قلى الطعمية والبطاطس والبذنجان
توقفت امام احد بائعى الجرائد لاتأمل مجلات الاطفال المعروضة بجوار الجرائد.
كنت شغوفا بالقراءة منذ سنوات طفولتى الاولى
ومنذ ان بدأت دراسة اللغة العربية فى مدرستى الابتدائية وكنت قادر على
ان اقرأ بعض الكتابات السهلة
وبعد أن امضيت عدة دقائق هناك ذهبت الى عم سعيد واخبرته بطلبات امى
ثم وقفت بجوار بعض زبائن الصباح الذى اخذوا يلتهموا السندوتشات الساخنة
ويتبادلوا النكات قبل الذهاب الى اعمالهم
وعندما اعد لى عم سعيد الطلبات سأل عن النقود فقولت له اننى اعطيته إياها
ولكنه قال لى لم اخذ شىء بعد
الى انى اصررت اننى اعطيته النقود
وأخذت دموعى تسيل على خدى
واعطانى عم سعيد الطلبات على الرغم من انه كان متأكدا انه لم يأخذ النقود
وكذلك كنت انا ايضا متأكد من انى اعطيته اياها
لم اكن اعى ان سرحانى امام رؤية الكتب والمجلات كان كافي بأن انسى كل شيئ حولى
بل ايضا ان انسى النقود الورقية فى يدى والتى كانت قد طارت ادراج الرياح
عندما اخذت يدايا الصغيرتان تعبثا فى صفحات الكتب والمجلات المعروفة!
كنت العب مع ابناء الجيران عادل ومحمد ومنى ابناء عم عبد القادر الفران
فمع عادل كنت العب الكرة و كذلك مع ابناء الجيران الاخرين وغالبا ما كانت تنتهى مبارياتنا
بمشاجرة وضوضاء واحيانا بكاء
ومع محمد كنا نلعب بالبلي وكذلك بذور فاكهة المشمش حيث كنا نرص البذور
ثم نبعد عنها لامتار وعند خط معين ناخذ بالتبادل برمى احدى البذور الكبيرة فى ايدينا
نحو البذور المصفوفه فاذا اصطدمت بها واخرجتها من مكانها صارت لنا
كانت اللعبة نوعا ما من الرماية !!
اما منى فقد كانت تصعد من شقتهم فى الدور الارضى الى شقتنا فى الدور الثالث
لنلعب سويا '
كانت تكبرنى بعامين
بيضاء البشرة ممتلئة ذات شعر بنى طويل وعينين عسلية اللون
كنا نلعب استغماية ونتصفح بعض الكتب سويا
ولعبة اخرى كان الكبار يمارسوها !!
عندما شرعنا فى لعبها و انا ابن السادسة وهى فى الثامنة من عمرها راقت لنا
و داومنا عليها الى ان جاء هذا اليوم وكان الوقت بعد منتصف الظهر
حيث خرجت امى من المطبخ حيث كانت تعد طعام الغداء
لتبحث عنى فلم تجدنى فى الشقة!
دفعت باب الشقة وسارت الى باب السطح المواجه له ودخلت الى باحة السطح الواسعة
لتجدنى هناك فى احد الاركان وبجوار حجرة الغسيل مع منى نلعب لعبة الكبار!!
رأيت علامات الذهول على وجه امى
و قد قطبت حاجبيها وضغطت بمقدمة اسنانها على شفتها السفلى
ثم هوّت بيدها اليمنى على خدى الايسر بصفعة مدوية
تورم لها خدى وانهمرت الدموع من عينى.
حينهاقالت امى عقابك الأكبر عندما يعود ابوك من العمل واخبره بهذا !
لم تنج منى من كف اخر من امى التى نهرتها وهددتها بأن تقول لامها بهذا.
لم اتناول اى طعام واثناء الليل كنت اتظاهر بالنوم ثم اتطرق السمع لحديث امى وابى
مترقبا اللحظة التى ستخبر امى ابى بما حدث وكيف يكون رد فعله اتجاهى.
كنت ارتعد خوفا وفى المساء جاء ابى ولم تخبره ومر مساء اخر ثم مساء اخر
ثم عدة امسيات ولم تخبره امى
ولكن بعد مرور اكثر من شهر وفى احدى امسيات الصفا
تطرقت السمع كالعاده فسمعت امى وقد زال عنها الغضب
وحل بدله لهجة السخرية والتهكم
سمعتها تخبر ابى بما حدث
تسمرت داخل فراشى وتجمدت اطرافى!!
اردت التبول ولم استطع
اردت ان تنشق الارض وتبتلعنى فأختفى ولا يستطيع ابى ان يجدنى ويعاقبنى!
لم يغضب ابى
وكم دهشت عندما سمعته يقول لامى
سيد ولد وسيم وستعشقه النساء تماما كما يعشقن ابيه!
تحركت سيارة النقل وتحرك معها فؤادى ,
تُرى هل ارى شقتنا وجيراننا مره اخرى ام لا!!
اسرعت السيارة ومتاعنا يهتز بداخلها اثناء كل مطب كانت تتعرض له السيارة التى اخترقت
حى الجيارة حيث كان يسكن جدى لابى سيد نصر الدين
والذى سمانى ابى على اسمه وجدتى خديجة والتى انجبت له دستة من الابناء والبنات.
وحيث كانوا يجاورون الاخوين حنفى وكتكت واختهم حرية تجار المخدرات المشهورين
ليس فقط فى حى الجيارة او منطقة مصر القديمة ولكن فى كل انحاء مصر.
عندما اقتربت السيارة من مقهى كتكت
كان يمكن للمارة هناك ان يميزوا رائحة الدخان المتصاعد من الشيش
والتى كان يدخنها الزبائن
لقد كانت رائحة مختلفة عن دخان المعسل و الذى عادة ما يدخنه الزبائن .
كانت رائحة الحشيش تتصاعد مع الدخان الازرق فتغلف المنطقة
ويبدو للمارة وكأن الشباب المتراص على المقاهى
والفتيات الملتفين بملايات اللف السوداء ويمشين بأيقاع مثير وجذاب فى الشارع
بل وايضا الكلاب الضالة والرابضة بالقرب من محلات الجزارة ومحلات الطعام المختلفة
يبدوا جميعا وكأنهم خدروا من دخان الحشيش هذا
فصار ايقاع حركتهم ابطأ من المعتاد.
الفصل السادس
حارة اليهود
خرجت السيارة من حى الجيارة الى حى زين العابدين ثم حى السيدة زينب
واخترقت شارع بور سعيد الطويل بموازاة الترام ثم انعطفت السيارة يميناً بعد ان جاوزت
حى باب الخلق الى شارع الازهر حيث تراصت المحلات التجارية على الجانبين وصار الشارع ضيقا !
أناس كثيرون,
ترام وسيارات كثيرة,
كوبرى علوى
حينها ادركت ان سكننا الجديد يوجد فى بيئة مختلفة تماما عن ما كنا نسكن فيها
فى مصر القديمة!!
فهناك كانت الشوارع واسعة وكان الاولاد يلعبون الكرة فى الشارع
اما هنا فمثل تلك المغامرة قد تكلفك حياتك قبل أن تتمكن من احراز اى هدف!
كان النيل قريبا وكنت اراه كل يوم فى طريقى الى المدرسة
وهنا وفى هذا المكان الجديد لا اثر للنيل وانما طوفان من البشر
يسيرون فى كل اتجاه يحملون البضائع فى ايديهم وعلى رؤسهم
يعبرون الشارع دون اى اعتبار للسيارات او الاشارات !
لم تكن هناك مقابر واسعة ممتدة تلفحها رائحة الموت مثلما كانت هناك
امام المبنى الذى سكنا فيه ,بل هنا كانت الحياة والحياة فقط!
الكل يجرى
يصيح
يسرع فى غابة من الضوضاء والضجيج!!
فزعت لرؤية مكاننا الجديد
بعد ان انحرفت السيارة يساراً من شارع الازهر المزدحم الى الصاغة ثم الموسكى
حيث صار الطريق اكثر ضيقا وازداد زحام البشر وتعالت الضوضاء!
وفى منتصف شارع الموسكى ظهرت لنا حارة اليهود
حيث كان هناك مبنيين اثريين كبيرين على مدخل الحارة,
شمل المبنيين عشرات الشقق السكنية وكذلك عِدة محلات تجارية فى الادوار الارضية
وافترش الباعة الجائلون الارض طوال شارع الموسكى وامام وداخل حارة اليهود
يبيعون كل شىء من ملابس واقمشة واوانى,
كل شىء!
وانتقلنا لشقتنا الجديدة فى الطابق الثانى فى عمارة عمتى نوال
البنت الثالثة ضمن خمس اخوات كبريات انجبتهن جدتى قبل ان تأتى بأول الذكور رمضان
ومن بعده ابى محمد ثم واصلت جدتى مهمة انجاب الاطفال فتتم الذكور ستة
ثم بنت اخيرة فاتن ليكون العدد ستة ذكور وستة اناث تماما
ولعل هذا ما كان يبغاه جدى سيد نصر الدين فكثرة الاولاد عزوة وقوة
وخاصة فى مجتمع التجارة والصراع على المال والنفوذ بين التجار.
وعلى الرغم من ان الشقة كانت جديدة والمبنى نفسه كان جديدا
الى انه كان فى حارة ضيقة تدعى درب محمود المتفرع من حارة اليهود
وكان المبنى محاط بالبيوت بينما تناثرت فى الحارة ورش الحرفيين
ومقهى صغير لا يتسع الا لعدد محدود من الكراسى وكان صاحبة يدعى محفوظ,
رجل قصير يتدلى كرشه فيكاد يخرج من جلبابه الرمادى
وكانت عيناه جاحظتان تثيران الرعب فى نفس من تسول له نفسة النظر اليهما!
كانت عيناه تنتفخان بشدة ويتحول لونهما الى الاحمر القانى عندما كان يجلس
على مدخل مقهاه ينفث دخان الشيشة
ويصيح على العامل من الحين للاخر ليغير حجر الشيشة.
كان يدخن الشيشة فى معظم فترات النهار
وفى المساء يتجمع عدد قليل من الحرفيين على المقهى يلعبون النرد والطاولة
ويدخنون الشيشة حتى ما بعد منتصف الليل
وبعد ان يذهب الجميع يدخن محفوظ بمفردة الشيشة
والتى ما كان سرعان ما يخرج منها دخان الحشيش الازرق النفاذ.
كما بدا لى منذ بداية الامر ان اسم المكان غريب ومثير للدهشة, حارة اليهود!!
لم اكن اتخيل ان يوجد مكان بهذا الاسم فى كل مصر
لقد كانت كلمة يهود تعنى لى هؤلاء الذين شنوا الغارة الجوية وانا بعد إبن الرابعة
حين اندلعت زمارة الخطر مدويه وامضيت ليلة من الرعب بجوار امى
التى ظلت تدعوا الله حتى الصباح الا تسقط احدى القنابل على بيتنا
فينهار ونسقط نحن من الطابق السادس فيكون مصيرنا الموت وحده .
كانت كلمة يهود وفى العام نفسه تعنى
الاشرار الذين تبتهج البلاد وتنطلق أغانى النصر من المذياع الخشبي
هناك فى الكشك الصغير بالقرب من جامع عمرو بن العاص للانتصار عليهم
وبعد ذلك كانت كلمة يهود تشير الى العدو الذى جاء فى النشيد فى حصة القراءة
والذى من اجل قتاله قام الاخ المجند فى الصباح يحمل السلاح !
كنت اتوق لمعرفة لماذا سمى هذا المكان بحارة اليهود
وصرت اسأل نفسى هل كان هناك يهود؟
هل عاشوا فى هذا المكان؟
وكيف يتسنى لهم هذا؟
او لم يكونوا هم انفسهم الذين حرموا ام جرجس من وحيدها وأثكلوها؟
وفقدت المسكينة عقلها وصارت هائمة فى الشوارع معلنة الحداد للابد!!
ولما سألت ابى عن هذا قال نعم كان اليهود يعيشون هنا
لقد كانوا منا مصريين يلبسون لبسنا ويأكلون أكلنا ويتاجرون معنا,
وكم كانت دهشتى حينما ذكر ابى قصة بسيطة محواها انه لو افلس احد التجار
او اشرف على ذلك كان يذهب للتجار اليهود فيساعدونه ويعطوه بضاعة مرة اخرى
الى ان يتعافى ويسدد دينه القديم والجديد ايضا!
أتمدحهم يا ابى؟
ولم لا؟
قال الوالد لقد كانوا تجاراً شطاراً
بل وان الرسول الكريم كان يتاجر معهم
ولما وفته المنية عليه السلام كان درعه مرهوناً عند احد تجار اليهود!!
تغيرت المدرسة بطبيعة الحال
والتحقت بالصف الرابع الابتدائى فى مدرستى الجديدة مدرسة العدوى الابتدائية .
ولم تكن المدرسة الجديدة تشبة مدرسة الاسقفية الجميلة على ضفاف نهر النيل بمنيل الروضة
فقد كان فناء المدرسة صغير لا يتسع للعب الكرة ولا لبقية الالعاب الاخرى ولم يكن هناك نفس النظام
حيث بدت الفوضى وزحام الفصول هى السمة الاساسية للمدرسة لدرجة ان تلاميذ المدرسة انقسموا الى قسمين قسم صباحى يذهب الى المدرسة من الصباح الباكر وحتى مابعد الظهر ثم قسم اخر من بعد الظهر
وحتى اخر ساعات النهار وكانت تحدث جمهرة شديدة عندما يخرج القسم الصباحى
ويتزامن ذلك مع دخول قسم فترة ما بعد الظهر حيث يتبادل التلاميذ الهتافات التنافسية و الحماسيه!
وقد كنت مع الفترة الصباحية فكنا اذا رأينا تلاميذ فترة ما بعد الظهر نصيح فيهم
)تعيش مدرسة العدوى الصباحية, يابتوع الظهر يا حرامية(
ويردوا علينا )طظ فى الفترة الصباحية وتعيش تلاميذ الظهرية(
وفى المدرسة كان هناك استاذ فؤاد مدرس المواد الاجتماعية والذى كان فى اواخر الأربعينيات
من عمره طويل القامة, رزين, يرتدى نظارات طبيه, ترى على وجهه الوسيم سمات الوقار, لونه بنى داكن
وكان حين يبتسم تظهر اسنانه بيضاء ناصعة
وحين يتكلم فى وصف قارات العالم الخمس ومواقع الدول وعواصمها واهم موانيها
كان صوته الرخيم الهادىء يبعث الراحة فى نفوس التلاميذ.
احببت استاذ فؤاد وعلى العكس من استاذ فتحى الشاب الصغير حاد الملامح عالى الصوت
والذى كان مسئولاً عن اختيار بعض التلاميذ ليكونوا افراداً للشرطة المدرسية
يرتدون شارات حمراء على الذراع وقبعة حمراء ويتعاونوا معه فى فرض النظام فى المدرسة
وبطبيعة الحال لم يختلفوا كثيرا عن الشرطة الحقيقية خارج المدرسة
فى استغلال سلطتهم فى الوشاية ببعض التلاميذ ظلماً عند استاذ فتحى
الذى كان يضربهم بالخيزرانة بقسوة على ايديهم وعلى اقدامهم.
و فى أحد الأيام فى احدى حصص اللغة العربية كانت المدرسة الجديدة صغيرة فى السن
شقراء يتدلى شعرها الذهبى الجميل على ظهرها حتى يكاد يلامس مؤخرتها الصغيرة الجذابة!
كانت جميلة
واثناء شرح الدرس قامت بطرد بعض التلاميذ خارج الفصل لضوضائتهم وعدم التوقف عن الكلام والثرثرة
وكنت انا واحداً من اربع تلاميذ طردوا,
ووقفنا خارج باب الفصل متكئين على الحائط الرمادى القديم
والذى كان يميل لونة للسواد لقِدمه وتهالكه.
وفجأة رأينا تلميذ الصف السادس حسن والذى كان يكرهه معظم التلاميذ
حيث كان الاستاذ فتحى قد عينه رئيساً للشرطة المدرسية
وكثيراً ما كان يشى بالتلاميذ ظلما كى ينالوا عقاباً قاسياً من خيزرانة الاستاذ فتحى.
مر حسن امامنا
كان طويلاً, اسمر اللون, ذو عينين سوداء ضيقتين وحاجبين مقوسين
وكان يمشى على اطراف قدمية ويباعد ذراعية عن جسمه اثناء السير ليبدو اكبر حجما ومهابة !
ذهب من امامنا ثم عاد ادراجه مرة تلو الاخرى!!
ومر امام باب الفصل وكأنة حارس الدرك يمر بالحارة فى المساء,
مثله تماماً !!
يبدو وكأنه يتفقد الامن بينما هو فى حقيقة الامر يتطلع إلى ان يجد شخصاً ما يخالف القانون
فى مشاجرة او فى تدخين حجرين حشيش فينقض عليه يتوعده بالسجن والعذاب
حتى تخرج يد المتهم من جيبه ببضع جنيهات فتستقر بمهارة وخفة فى يد الشرطى
الذى كان يتركه محذرا )اياك ان تفعل هذا ثانية (!!
وبعد ان مر حسن لأكثر من ثلاث او اربع مرات من امامنا توقف امام باب الفصل
ونادى على المدرسة الرشيقة
) أبلة رجاء! استاذ فتحى كان يسأل ان كان هناك اى تلميذ يضايقك(
واخيرا انتبهت أبلة رجاء لوجود حسن ولما اجابتة
) لا, كل شىء على ما يرام(
شكرها حسن وابتسم ابتسامه خبيثة لم يلحظها تلاميذ الفصل
ولكن لاحظتها انا والتلاميذ الاخرين المعاقبين بالوقوف خارج باب الفصل حيث كنا قريبين من حسن
نلمح قسمات وجهه التى كنا نكرهها عن قرب!
وعاد حسن ادراجه بعد ان اسقط من يده وتماما عند مدخل باب الفصل ورقة مطوية
لم يلحظ تلاميذ الفصل ولا المدرسة هذا
ولكنى والتلاميذ المعاقبون الاخرين لمحنا هذا.
مضى حسن وهم احد رفاقى بالتقاط الورقة
لكنى حذرته ان لا يفعل!!
كان كل شىء يتعلق بأستاذ فتحى وحسن يشعرنى بالاشمئزاز,
ملامح وجههما العبوثة!
رائحتهما العطنة مثل رائحة جورب ظل فى قدم صاحبه لاكثر من يومين من ايام الصيف الساخنة الطويلة!
طريقة مشيهما والتى لم تكن تختلف كثيرا عن طريقة مشى عساكر الامن المركزى
حيث الخيلاء والتكبر والنظر للناس بعينين مختلفتين,
عين استهانة بالفقراء واحتقارهم
والعين الاخرى نفاذة ترسل اشعات فوق البنفسجية لتخترق جيوب و حافظات نقود الميسورين والاغنياء فتقلبها وتحللها قبل أن تبدأ الخطة المحكمة لألتقاط اكبر جزء ممكن مما فيها من نقود وتحويله الى جيوبهم!,
الى أن ايهاب لم يأبه لكلامى والتقط الورقة وعاد بها الينا
وفتحناها لنقرأ ما فيها وحين هممنا بذلك بدأ الذهول يغمرنا كانت الكلمات تقول ;
)عزيزتى رجاء
لا تعلمين كيف صارت ايامى جميلة وغدت ساعات وجودى فى المدرسة
اسعد اوقاتى منذ ان جئت للمدرسة.
منذ هذا الحين ولم ترى عيناى النوم فأنا امضى ساعات الليل افكر فيكى.
اتخيل نفسى بجوارك تلامس يدى يدك الرقيقة وتتوه عيناى عند النظر الى لحظ عينيك الساحرتين.
صرت اعشق جمالك وانتظر قدوم الصبح كل يوم كى اسابق عقارب الساعة واصل للمدرسة فأراك .
احبك بجنون
احبك, احبك
الملهم بعشقك
فتحى(
تسمرنا فى اماكنا !
لم اتخيل للحظة ان كل تلك الكلمات الرقيقة كانت تصدر من الاستاذ فتحى ذو الملامح الصارمة!!
انخرط احمد وحسام التلميذين الاخرين فى الضحك الهيستيرى بينما لمحت بريق كشرارة النار
يخرج من عين ايهاب الذى طوى الورقة ووضعها فى جيبه
وعندما سألته ماذا ستفعل ؟
عليك ان تلقى الورقة وتعيدها ثانية للارض,
لم يأبه ايهاب لكلامى واختلط البريق المنبعث من عينيه بابتسامة ماكرة وقال
انها الفرصة قد جاءت للانتقام من عاشق الغرام وهذا القواد الصغير حسن ,
لقد وقعوا ومحدش سمى عليهم!!
بالفعل انتهت حصة اللغة العربية واثناء راحة الفسحة كان الخبر قد انتشر كالنار فى الهشيم
وصار التلاميذ يتشدقون بقصة الخطاب الغرامى وفتحى مدرس الحساب او روميو العاشق الولهان
وأبلة رجاء, جوليت المدرسة !
ولم ينس التلاميذ حسن الذى وصفوه بحامل رسائل الغرام وبالقواد القذر
وبعد انتهاء فترة راحة الفسحة وحتى ميعاد انتهاء المدرسة والتأهب للعودة لبيوتنا
كان الكل يسمع صراخ ايهاب فى حجرة الشرطة المدرسية حيث ربطت ايديه وكبلت سويا بحبل صغير
والقى على الارض بينما احتضن حسن رجليه المكبلتين ايضا بحبل اخر ورفع قدمه لاعلى حيث كانت
الخيرزانة تهوى مرة تلو الاخرى من يد الاستاذ فتحى فتترنح وتصدر صوتاً لترنحها فى الهواء يشبة صوت
زنين نحلة تحوم حول احدى الازهار لتمص رحيقها ثم تسقط الخيرزانة على قدمين ايهاب العاريتين
فتتعالى صرخاته .

كنت اسرع بالخروج من المدرسة بعد انتهاء اليوم الدراسى قبل ان يحدث التصادم اليومى المعتاد
مع تلاميذ مرحلة بعد الظهر وايضا لأتفادى النظر للمبنى الرابض على بعد امتار من المدرسة
وعلى الجانب الاخر من البوابة !!
كان هذا المبنى هناك يخيفنى بجدرانه العالية الرمادية اللون وبوابتة المصنوعة من الرخام
ذو اللون الأصفر الباهت والذى كان يشبه قطع جبن النستو التى كنت اكرها
واجادل امى كل صباح عندما تغضب منى لعدم اكلها فى وجبة الافطار!
كان المبنى ممتداً امام بوابة المدرسة وكان ملفحاً بالغموض لا يكشف عن اى شىء بداخلة
وكأنه معتقل من معتقلات المغول الرهيبة والتى كنت قد رأيتها فى احد الافلام بالتلفاز
اسمه امير الانتقام , حينها تمت الوشاية بالبطل حسن )انور وجدى
( وتم اعتقاله فى احد هذة المعتقلات!
وعلى الرغم من ان حارس المبنى كان رجلاً اسمر اللون مسناً فى اواخر الستينات من عمره ,
ملامح وجه طيبة مريحة , كان اسمه عم محمد ,
الا ان علامة النجمة الحجرية التى كانت تزين واجهة المبنى كنت قد عرفتها من قبل,
هى ذات النجمة التى ما شرع ان رسمها عزت, زميلى فى مدرسة الاسقفية,
واثناء حصة الرسم حتى وبخته المدرسة حين رأتها وحذرته من ان يرسمها مرة ثانية.
لم يدرى عزت ولا انا لماذا!!
لقد كان رسمها سهلاً ,مجرد ان تخط مثلثين متداخلين فى اتجاه عكسى !!
وبعد ذلك وحين بدأت اقرأ الكتب والمجلات المختلفة عرفتها
كانت تزين العلم الاسرائيلى وكان هذا يعنى علم العدو,
ولما اخبرنى ابى بأن اليهود عاشوا هنا فى حارة اليهود
فقد إذداد رعبى من هذا المبنى الغامض
وبدأ خيالى يسرح وتخيلت ام جرجس هناك مختبأة داخل هذا المبنى
تتحين الفرصة لكى تنقض على اثناء خروجى من بوابة المدرسة.
فى أحد الايام وفى المدرسة و أثناء راحة الفسحة أو الظهيرة ,
قام تلاميذ الشرطة المدرسية بإبعاد كل التلاميذ عن مركز الفناء
واقتطعوا مساحة كبيرة واخلوها
ولما غضبت انا وتلاميذ اخرين من ذلك وسألنا عن السبب اخبرنا حسن بوجهه المقتضب
(سيتدرب فريق المدرسة لكرة القدم)
وكان هذا يعنى الاولاد الكبار فى الصف السادس
وتجمعنا على شكل دائرة حول الفناء الخالى قبل ان يظهر تلاميذ الصف السادس
بزى المدرسة لكرة القدم من قميص احمر وشورت ابيض وجورب احمر طويل
رفعه بعضهم حتى غطى على ركبهم
وبدأ التدريب بعد الاحماء قاده استاذ عبد السميع مدرس الدين الاسلامى فى المدرسة
ومدرب الكرة ثم قسم التلاميذ الى فريقين وبدأت مباراة تدريبية.

ولفت نظرى تلميذ اسمر اللون ذو شفاه غليظة وشعر خشن طويل ومجعد وعينين كبيرتين حادتين,
كان يلعب بحماسة كبيرة وكان التلاميذ يشجعونه (يالا يا هيما ,حلوة يا ابو خليل)
مر هذا اليوم ومعه تجدد شغفى القديم لكرة القدم وتمنيت ان التحق بفريق المدرسة.
ولما بدأت بالتعرف على الاماكن المحيطة بمنزلنا وبالمدرسة كان اخر مكان افكر ان اذهب الية
هو حارة زويلة وذلك لما سمعته من ان كلها مسيحيين!!
وهم يكرهون المسلمين ويتربص بعضهم ببعض!
الا انى تجرأت فى أحد الأيام وقررت ان استكشف حارة زويله هذة ,
كان يوم جمعة حيث العطلة المدرسية
خرجت من البيت بعد ان تناولت طعام الافطار
فول وجبن وبيض مسلوق وشاى ساخن بالحليب
هبطت سلالم الدرج والتى صارت امر هين عما كان عليه الامر من قبل
من النزول من الدور السادس فى بيتنا القديم.
خرجت من المبنى حيث كانت الشمس ساطعة وسماء القاهرة كالمعتاد زرقاء صافية,
كانت هناك نسمة هواء جميلة تداعب صفوف الملابس المغسولة
والمصفوفة فى شرفات الشقق المختلفة لكى تجف .
لم يكن يعكر تلك النسمة الجميلة سوى انفاس الدخان المتصاعد من انف محفوظ القهوجى,
حيث تصاعدت رائحة دخان معسل القص النفاذة والتى كان يتبعها سعال محفوظ المتقطع
وكأنه مٌحرك سيارة سوزوكى نصف نقل
ثم بصقه على الارض يميناً او يساراً !
سرت من البيت لاصل الى سور مدرسة العدوى بعد مسيرة دقيقة واحدة
حيث كانت المسافة بين عمارة عمتى نوال التى كنا نقطن فيها ومدرسة العدوى لا تتعدى العشرون متراً、
كان السكون يحيط بالمدرسة ولانه كان يوم الجمعة فقد ارتاح سكان المنطقة من
المنظومة الموسيقية اليومية 、يا بتوع الظهر يا حرامية!
سرت بمحازاة سور المدرسة الجانبى حريصاً عند مرورى هناك
حيث زاوية التقاء السور الامامى بالبوابة عند السور الجانبى من ناحية الغرب الا تقع عينى على
المبنى الاثرى المزين بنجمة المثلثين、
تخطيت مدرسة العدوى حيث بدا الطريق الضيق اصلا اكثر ضيقا、
اخذ الطريق يتلوى ويتثنى تماما مثل ثعبان الكوبرا او التنين الصينى
وبدت البيوت فى حارة زويلة متلاصقة متهالكة من القدم
ولكن مزينة من داخلها والى اعلاها بالصلبان المنحوتة والمرسومة والمصورة احيانا
وكذلك بعض رسومات وصور لمارى جرجس、
كنت اعرف الصورة فقد كانت تماما مثل تلك التى كانت تزين مدخل الكنيسة المعلقة
هناك فى الطريق بين بيتنا القديم ودار روضة الاطفال!

كانت الصورة لفارس فى ملابس الرومان يمطتى حصان ضخم ابيض اللون ذو ذيل طويل ومنفوش
كأنة احدى مراوح اليد اليابانية
كان يوجه رمحه الطويل من اعلى الحصان الى اسفل
ونحو صدر احد الاعداء الذى تخطفه الموت ومرارته
فلم يعد يظهر اهو انسان ام وحش منكسر!!
كانت تقريبا كل البيوت هناك
ومدرسة ثانوية صغيرة مدرسة الشهداء الثانوية بنين
وبالطبع كنيسة عالية الجدران ذات بوابة ضخمة و بابين من الحديد الصلب
مزدانة بالصلبان
وبعبارات اخرى مكتوبة على الجدران والابواب
)اعطى مال الرب للرب ومال قيصر لقيصر(
)الله محبة(
)المجد لله فى الاعالى وعلى الارض السلام وبالناس المحبة(
واصلت السير وبعد مسيرة دقيقة او دقيقتين مع انحراف الحارة تارة لليمين واخرى لليسار
كنت اتجنب ان يدوس حذائى على بعض الاماكن ذات الارضية الطينية الرطبة نتيجة تراكم ماء عفن بها!
خيل لى انى اسير فى امارة صليبية من العصور الوسطى
هناك فى يافا او فى عكا ابان الحروب الصليبية
والتى كنت قد رأيت مشاهد منها فى فيلم صلاح الدين الايوبى
حين قبض جنود صلاح الدين على توفيق الدقن الذى كان يمثل دور والى عكا الخائن
الذى سلم المدينة للصليبيين وقادوه الى احمد مظهر او صلاح الدين
فأرتمى والى عكا على قدم صلاح الدين وقال
) دعنى اعفر وجهى عند قدمك يا مولاى(
فقال له صلاح الدين )انهض يارجل ولا تحن وجهك لغير الله(
كان فيلماً طويلاً وكلما كان يبثة التلفاز كان يحدث خلل ما فينقطع الفيلم
ثم يعاودون بثة من جزء قد انتهى عرضه بالفعل ثم يتواصل البث وينقطع مرة اخرى
وتظهر المذيعة الحسناء منتفخة الوجه والملطخ بصبغات الاحمر والاخضر والازرق لتعتذر عن العطل الفنى
وهكذا دواليك حتى ساعات الصبح الاولى حيث كنت استسلم للنوم
احلم بفريجينيا جميلة الجميلات )ليلى فوزى فى هذا الفيلم(
ونظرات عينيها المثيرة التى كانت كافية لان يقع فى عشقها امراء الصليبيين واحداً بعد الاخر!
وبعد ان تجاوزت مدرسة الشهداء فى حارة زويلة وقع بصرى على دكان حداد صغير اسفل احد البيوت
العطنة والمعبأة برائحة القسيس كما كنت اسمع عنها
فقد اعتاد العطارون فى حارة اليهود وفى الموسكى ان ينادوا على الزبائن
)لدينا كل العطور عطور الورد والياسمين والريحان ورائحة القسيس(
وبما ان الاسم يدل على معناه فقد انطبع فى ذهنى ان رائحة القسيس هذة
هى رائحة خاصة بالمسيحيين وعلى الرغم من انى لم اشمها ابدا
الا ان الرائحة العطنة والمتعفنة فى حارة زويلة تعلقت بذهنى بأنها رائحة القسيس هذه!!
وداخل دكان الحداده الصغير والمظلم جلس رجل مسن منحنى الظهر
ظهرت علامات الشيب على شعره القصير والمصفف والممشط للخلف
وكذلك فى شاربة الكث تحت انفة المقوص الكبير
عينيه سوداء واسعتين
وكانت مقدمة اسنانة تظهر صفراء اللون من اثر التدخين.
جلس الرجل منحنى على مكينة الخراطة
وفى احد الاركان داخل الدكان الضيق المظلم جلس ولد صغير يحمل مبرد فى يده
يقوم بضرب قطعة من الحديد
كان الولد يشبة الرجل صاحب الدكان الى حد كبير!!
نفس الانف المقوس الكبير والعينين الواسعتين
يرتدى قميص ازرق به بقع سوداء كثيرة وبنطلون رمادى واسع عليه حزام اسود
مصنوع من البلاستيك به توكة معدنية من الالمونيوم.
لم يكن الوجه غريب على
اخذت ادقق فى ملامح الولد الذى كان تقريبا فى مثل سنى تسعة او عشرة سنوات.
اة لقد تذكرته
انه الولد اشقى فى مدرستى
والذى اعتاد فى فترة راحة الظهر ان يخلع نعليه ويدخل كفه فيهما فيصيرا كقفاز الملاكم
ثم يبدأ بمطاردة التلاميذ الاخرين ولطمهم بيديه
فتنزل الضربة موجعة
فاذا طالت الضربه الرأس او الوجه او اليدين كانت قاسية
واذا طالت باقى اجزاء الجسم كان الالم ألمين
ألم الضرب على الجسد و ألم اتساخ الزى المدرسى جراء ملامسته للحذاء المتسخ!
انه هو الفتى الشرير الان علمت لماذا!!
لقد جاء من هنا من هذا المكان المعبأ برائحة القسيس!
وكما كنت اتجنب النظر الى المبنى القديم ذو النجمه المثلثه امام المدرسة
صرت اتجنب المرور بحارة زويلة
فالرائحة هناك كانت لا تروق لى
والبيوت المتهالكة المزدانة بالصلبان كانت تخيفنى
وفوق هذا وذاك كان هناك الولد الشقى ابن الحداد
ذو الانف المقوس والعينين السودوتين الكبيرتين
والذى بدا لى كهيئة احدى الماعز التى كانت تجول فى نفس حارة زويلة
تأكل الورق والمخلفات المتناثرة فى عرض الطريق.
لم يمضى وقت طويل حتى كنت التحقت بفريق كرة القدم فى المدرسة
حيث ابلغت رغبتى فى هذا للاستاذ عبد السميع فى نهاية حصة الدين
والتى فيها كان ينقسم التلاميذ الى قسمين
قسم يبقى فى الفصل يتلقى دروس الدين الاسلامى من الاستاذ عبد السميع
وقسم اقل عددا يذهب الى الفصل المجاور يتلقى دروس الدين المسيحى من استاذ نصحى.
وكان درس اليوم عن ايمان المسلم حيث شرع استاذ عبد السميع فى شرح اركان الايمان
خلع نظارتة الطبية وانساب صوته بهدوء وسكون ووقار ملحوظ واستطرد
( المسلم هو من سلم الناس من لسانه ويده الا يتعرض بأى اذى مادى لفظى او معنوى على الاخرين)
تذكرت ابن الحداد وعينيه الواسعتين اللتين كاناتا تبرقا حين يتصيد ضحيته من التلاميذ الاخرين
ويجرى ورائه فى فناء المدرسة
ثم يهبط على وجهه وجسده بقبضتين مقاس ثمان وعشرون _28 _سم !!
يا ليته كان حاضرا معنا فيسمع كلام الاستاذ عبد السميع عله يتعظ ويكف عن اذاه للتلاميذ الاخرين
ولكن كيف يتسنى له هذا؟!!
اظنه كان فى الصف الخامس ويكبرنى بعام ولكن من الأكيد انه كان يخرج فى حصة الدين
من فصل استاذ عبد السميع ويذهب لفصل استاذ نصحى مثل تلاميذ حارة زويلة ,
يتجمعون بهدوء وغموض كماكان يتجمع فرسان المعبد من القرى
ويتسحبون الى الفصل المجاور خلف أستاذ نصحى
تمام كما كان الفرسان يلتفون خلف ريتشارد قلب الاسد ملك الانجليز وقائد الحملة الصليبية
فى فيلم صلاح الدين الايوبى !!
جلس استاذ عبد السميع واخرج منديله الازرق الداكن من جيبه واخذ يجفف به قطرات العرق على وجه
واستطرد( هذا عن الاسلام اما الايمان فهو ان تؤمن بالله وملائكتة وكتبة ورسلة واليوم الاخر )
وواصل شرحه (الله هو الالة الواحد رب الجميع خالق الكون والملائكة هى مخلوقات نورانية خلقها الله
وعلى عكس بنى ادم فهم لا يأكلون ولا يشربون ولا يتزوجون
وانما وظيفتهم هى عبادة الله واطاعة اوامره فقط
اما كتبه فهى القرأن والانجيل والتوراة
الكتب السماوية المقدسة كتب المسلمين والمسيحيين واليهود )
حسنا بدا لى ان اسم حارة اليهود لم يكن سيىء لهذة الدرجة التى كنت اظنها
فالايمان حسب ما شرح استاذ عبد السميع لم يكن يتم الابأن نؤمن بكتاب اليهود
وتذكرت عم فتحى وعم عبد القادر اثناء حفل طهارتى عندما قصوا لى قصة النبى ابراهيم
وابنيه اسحاق واسماعيل
ابوى اليهود والمسلمين.
وفى نهاية الحصة وعند عودة فرسان المعبد,
اقصد التلاميذ الاخرين من فصل الدين المسيحى
اقتربت من استاذ عبد السميع استاذ عبد السميع وهمست لة
(انا بحب الكرة ونفسى العب مع فريق المدرسة !)
وفى اليوم ذاتة طلبت من امى ان تتحدث لابى كى يشترى لى طقم ملابس كرة قدم .
بعد يومين كنت البس ملابس كرة القدم واتمرن مع فريق المدرسة فى الفناء
واثناء التمرين اقترب منى التلميذ ذو البشرة الداكنة والشعر المجعد
بادرنى بالسلام (السلام عليكم)
نظرت الية بترقب,
لم ينتظر الاجابة وواصل الحديث (عجيب امر عائلتنا الكبيرة هذه نكون اولاد عمومة ,
نسكن على بعد امتار ونذهب الى نفس المدرسة ولا نعرف بعض!
انا ابراهيم العقاد ابن عمتك عواطف)
نظرت الية وبدأت استرجع الذاكرة حين اجتمعت عائلة الشريف الكبيرة وبرمتها فى بيت جدى سيد
فى الجيارة حيث كان مريض واتى الجميع لزيارتة
حينها سألت جدى (انت اهلاوى ولا زملكاوى؟)
اشارة الى اشهر فريقين لكرة القدم فى مصر الاهلى والزمالك
فرد جدى بروحه المرحة الساخرة انا زبراوى !!!
كنت لم ابلغ السادسة بعد ولم اكن بدأت لعبة العريس والعروسة مع منى بنت الجيران
فأجبتة على الفور (يا قليل الادب!)
ولكن ابى الذى كان قريب منى سمعنى فلطمنى على خدى وقال (اياك ان تتحدث هكذا لجدك)
ولكن جدى وبخه وقال له( اياك انت ان تلمسه فى حضورى!!)
كان هذا الولد الاسمر ذو الشعر الخشن المجعد هناك
وكان يداعب كرة صغيرة صفراء اللون من البلاستيك طوال الوقت مع بعض ابناء العموم الاخرين الذين جائوا
ناصر ونبيل ابناء عمى رمضان واسامه ابن عمتى سميرة كبرى البنات.
( نعم لقد تذكرتك) اجبته حينما كنا نتبادل ركل الكرة ثم نصوب نحو المرمى الصغير
ثم نختلس النظرات نحو مؤخرة ابلة رجاء الجميلة والبارزة من فستانها البيج الضيق
حيث كانت واقفة بشرفة الردهة بالطابق الثانى تتحدث مع استاذ فتحى
والذى على ما يبدو قد انتهى من مرحلة تحميل حسن رسائل الغرام
ودخل فى طور الحديث المباشر والمفيد.
)انت ابراهيم لم اكن اعلم انك ماهر فى لعب الكرة هكذا(
ابتسم واتسعت حدقتي عيناه الكبيرتان وهز كتفيه تارة لليمين وتارة للشمال ثم قال
)انا بلعب كل يوم فى المدرسة, فى الحارة امام بيتنا ,
واحيانا فى شارع بورسعيد مع الاولاد الكبار تلاميذ الاعدادية والثانوية ايضا ,
احنا لازم نكون اصحاب ونلعب كورة معا كل يوم (
هززت رأسى وسددت كرة عالية طاشت فوق المرمى وكادت تلمس كتف استاذ فتحى
والذى كان مسترسل فى الحديث مع ابلة رجاء.
وما ان انتهى اليوم الدراسى الا وهرعت الى البيت
فوضعت حقيبتى على الكنبة فى حجرة الجلوس ثم هرعت الى الشارع
وبدلا من ان اسير يمينا نحو المدرسة استدرت يسارا
ومررت من امام مقهى محفوظ الصغير حيث كان محفوظ هناك
يسعل و يتفل اثناء تدخينه معسل القص الحامى!
وواصلت السير لعشرون او ثلاثون مترا لأجد ابراهيم هناك تحت بيتهم ذو الثلاث طوابق
والذى كان اخر بيت فى درب محمود
ومن بعده تصير الحارة مسدودة بحائط كان يمكن لمن يستطيع القفز عليه
ان يرى قدش او نزل اليهود على الجانب الاخر,
كان ابراهيم يمسك فى يده اليمنى سندوتش طعمية كبير
وتداعب قدماة كرة مطاطية لونها بيج
كانت مشابهة للون فستان ابلة رجاء,
اخذنا نركل الكرة ونناولها لبعض لفترة قصيرة حتى انضم لنا بعدها اولاد الجيران الاخرين,
ولد اشقرفى نفس عمرنا ذو شعر احمر بدين
كان ممن يطلقون عليهم عدو الشمس حيث شعر رأسه ورموشه احمر اسمه كرم
وولد اخر نحيف ممشوق القامة ذو انف مدقق صغير وعينين مستديرتين صغيرتين اسمه وجدى,
واخذنا نلعب الكرة لاكثر من ساعتين وحينما غلبنا التعب عاد الولدين الاخرين
وجلست مع ابراهيم نلتقط انفاسنا تحت بيتهم ونتبادل الحديث.
قالى لى ابراهيم(هناك استاذ شاطر اسمه استاذ حسن البحيرى يعطينى دروس خصوصية
لكى اتأهل فى دخول امتحان السنة الخامسة والسادسة معا هذا العام)
حقا اهذا ممكن ؟
سألته والدهشة تغمرنى
اجابنى ابراهيم نعم ويمكنك ان تقوم بهذا العام القادم اذا اردت.
هززت رأسى وسرحت بخيالى فى عام اقصر فى حياتى الدراسية
هذا رائع
فأنا اتشوق لانهاء الدراسة بسرعة لكى انطلق واسافر فى كل انحاء العالم
وامتد بصرى الى ما وراء الجدار الحجرى الذى كان يسد الحارة
فكأن نظرى اخترقة ومن بعده قدش اليهود ثم شارع بورسعيد حيث الترام,
واسرع النظر فسابق الترام وكل الطريق نحو مجهول سرمدى لا نهائى.
تعددت اللقاءات مع ابراهيم فى فناء المدرسة وامام بيتهم للعب الكرة
والحديث عن استاذ حسن البحيرى الذى بالفعل قام والدي بالاتفاق معه
كى يؤهلنى لخوض امتحانين الصف الخامس والسادس سويا فى العام الدراسى التالى.
كان الاستاذ حسن البحيرى رجل هادىء جاد الملامح يرتدى نظارة طبية وبدلة رمادية داكنة اللون
ورابطة عنق قرمازية اللون ويحمل فى يده حقيبة سوداء كبيرة ,
ربما لانها كانت تحوى منهجين الصفين الخامس والسادس سويا !!
وابلى استاذ حسن معنا بلاء حسنا فنجح ابراهيم فى الامتحانين
وبعد عام كنت انا قد فعلت الشىء نفسه ولحقت به فى مدرسة باب الشعرية الاعدادية بنين.
تغيرت المدرسة وايضا تغير السكن فقد انتقلنا لشقة اكبر بناها لنا ابى
فوق سطح المبنى العتيق الذى به محله التجارى على ناصية حارة اليهود,
لم يتغير العنوان كثيرا ! هذة المرة سوق الصيارف المتفرع من حارة اليهود ,
وهناك وعلى نفس المبنى الاثرى الكبير على مدخل حارة اليهود والذى يوجد بأسفل متجر ابى
بنى لنا ابى شقة كبيرة ايضا على السطح فى الدور الرابع والاخير
بعد ان اتفق مع مكرم البلبيسى المحامى والحارس القضائى على البيت من قبل وزارة الاوقاف
بأن يقوم ابى بتكاليف بناء دور جديد على سطح البيت,
بالطبع سرا لانة غير ممكن ان يحصل على رخصة بناء على مثل هذا البيت الاثرى ,
وكان على مكرم ان يسهل له هذا
وكان المقابل ان يبنى له ابى شقة فى نفس الدور بمساحة اقل دون ان يدفع فيها اى شىء وتم الاتفاق,
وبعد ان انتهى العمال من التشطيبات الاخيرة تم الانتقال الى هناك.
وكنت ارى هذا المبنى والمبنى المقابل له على ناصية حارة اليهود والموسكى
مبنيين شامخين صامدين لعشرات السنوات
وعندما وصلنا الى الدور الرابع حيث شقتنا الجديدة الواسعة نظرت الى جدران المبنى والمبنى المقابل له ايضا ,
من اعلى هذة المرة ,
حيث بدا شارع الموسكى من فوق ضيق جدا وكأنة سرداب من سراديب معتقل المغول
فى نفس فيلم امير الانتقام
بينما تراصت الناس عليه من تجار وعمال وزبائن
وكأنهم احجار صغيرة تراصت فى كل مكان على ارضية هذا السرداب!!
و بدا للناظر ان جدران المبنى وكذلك المبنى المقابل كانت مزينة برسومات هندسية ,
رسوم لزهور ودوائر واشكال مخروطية و
يا ستار يارب
كانت النجمة, نجمة المثلثين المتعانقين هناك ايضا
وفى اكثر من موضع
يا للعجب
وكأن اليهود الذين سكنوا حارة اليهود اخذوا معهم نجمة واحدة يزينوا بها علمهم
وتركوا نجوم عديدة على مبانى حارة اليهود!!
على كل لم اعد اخاف منها!!
فأنا لست تلميذ صغير بعد فى مرحلة الابتدائية
ولكنى وبعد ايام قليلة سأصبح طالب فى المدرسة الاعدادية.
كان ابى يقول )السادات ذكى واستطاع ان يفاوض اليهود بنفس طريقتهم(
لقد كان ابى يكرر مقولة السادات بأنة من لم يستطع ان يثرى
او يعمل فلوس على حد قول ابى
فى عصرى فلن يستطع فعل هذا بعد ذلك!!
لم ادرى ان كانت تلك المقولة محقة او واقعية
ولكنى شهدت بعينى ملامح عصر الانفتاح هذا
وكيف تحول الكثيرون الى اصحاب ملايين فى وقت قصير للغاية!!
اما على الجانب الاخر
فقد بدأت اقرأ لكتاب كثيرين امثال مصطفى محمود ويوسف السباعى
وانيس منصور ومحمد حسنين هيكل وتبلورت شخصيتى من تلك القراءات
وصرت اعرف منها اننى انتمى لامة منغمسة فى صراع كبير وعنيف مع عدو مجاور
جاء من بلاد عدة واستخدم القوة وبمساعدة الغرب ودول عديدة
استولى على اراضينا فى فلسطين وكرر هجماتة العدائية ضدنا فى حروب عديدة.
لقد كانت كلمة اسرائيل تعنى العدو الاكبر
والنجمة تلك كانت رمز للعدوان والوحشية
ومن خلال تلك الكتابات ظهرت صورة البطل الزعيم الراحل جمال عبد الناصر
الذى بذل حياته من اجل تحرير امته بل وتحرير كل المظلومين فى العالم
ولما توسعت بعد ذلك فى قراءاتى تعرفت على جيفارا وكاسترو وكارل ماركس ولينين وتروتسكى ,
كانوا جميعا ابطال عظام فى عينى,
كان الفقراء والمظلومين المثقفين والعمال والفلاحين هم مثلى الاعلى ومحور حبى وفكرى
وبدأت اكره الاغنياء والبرجوازيين والرأسماليين والاستعماريين
وعلى رأسهم دولة الصهيونية المغتصبة وحليفتها دولة الظلم امريكا
والتى لم تتوانى فى ان تستخدم حق الفيتو كل مرة فى مجلس الامن ضد العرب ولصالح اسرائيل.
كان هذا هو شعورى
بل شعور الملايين من جيلى
وقد كان شعور عاطفى جارف يتأجج بكتابات كتاب الحرية ووعاظ الدين
والمدرسين فى المدارس والمذيعين والفنانين اللامعين فى قنوات التلفاز
لقد رفض معظم المثقفون الناصريون و الطبقات الكادحة التى كانت تتوق الى حلم تحرير فلسطين,
رفضوا معاهدة السلام
اما انا فقد كنت اميل اليهم
لانهم فريق الفقراء والمظلومين والذين لم اندم يوم ان اكون نصيرا لهم
فالظلم بالنسبة لى ومن اليوم الاول فى المدرسة الابتدائية كان لى بمثابة العدو الاكبر!
لم اكن اكره شخص بعينه
او حتى بلد بعينها
ولكنى كنت اكره الظلم والعدوان
والذى وقعت عينى عليه فى بلدى نفسها منذ ان كنت طفل صغير
وعرفته فى بلاد اخرى من خلال كتابات الاخرين ووسائل الاعلام المختلفة,
كنت مثالى يحلم بالعدل فى كل مكان ولكل شخص فى هذا العالم.
ولم تأتى الرياح بما تشتهى السفن
فبعد نفحات السعادة لتوقيع معاهدة السلام توالت الاحداث بصورة دراماتيكية
فها هى اسرائيل تغزو لبنان وتدورمعارك بل ومذابح دموية هناك!!
صبرا وشاتيلة !!
جيش لبنان الجنوبى!!
انطوان لحد!!
ارييل شارون !!
منظمة التحرير الفلسطينية!!
توالت اسماء الاشخاص والاماكن والمؤسسات والمعارك والضحايا والجلادين
وتلطخت صورة اغصان الزيتون وحمامة السلام بالدماء من جديد
وابتهج معسكر الصقور وانكمشت الحمائم واسودت الصورة من جديد.
وهنا فى داخل البلاد
اغتيل الرئيس!!
قتل الفرعون على يد الرعية ولاول مرة فى تاريخ مصر
واحتار المؤرخون وانقسموا حوله
فهناك من احترمه بل مجده ورفعه الى منصة الابطال
وهناك من خونه واعتبره من اسوأ من حكموا البلاد
الا انهم جميعا لم يستطيعوا ان يمسوا الحقيقة بأنه منجز كأول نصر عسكرى على اسرائيل
وكذلك اول معاهدة سلام مع الدولة العبرية الحديثة.
وتولى نائب الرئيس زمام الحكم عام الف تسعمائة وواحد وثمانين
واعلن فى اول خطاب له للشعب بأنه سيجعل فترة الرئاسة القصوى فترتين لا اكثر!!
وعند كتابة تلك السطور تكون قد مرت فترة تقارب الثلاثين عام ولا يزال مبارك رئيسا للبلاد!
الفصل الثانى عشر
الحلم
بالطبع قابلت ابراهيم فى المدرسة الاعدادية
وكان ابراهيم قد ذهب لاختبارات كرة القدم بالنادى الاهلى اكبر واشهر نادى كرة قدم فى كل مصر
والتحق بفريق الناشئين تحت 14 سنة
وكان علية بعد انتهاء الدراسة او بعد انتهاء اليوم الدراسى فى المدرسة الاعدادية
ان يسرع بركوب الترام من باب الشعرية وحتى باب الخلق
ثم يركب حافلة أخرة الى ميدان التحرير ومن هناك يمشى لدقائق
حتى يصل لمنطقة الجزيرة حيث النادى الاهلى العريق بالقرب من برج القاهرة
كان هذا كل ما علمته من ابراهيم فى احد ايام الاسبوع الاول فى عامى الاول فى المدرسة الاعدادية
ولم اكن اراه بعد ذلك الا نادرا
فلم يكن فريق الكرة فى المدرسة الاعدادية يهمه كثيرا بعد ان التحق بالنادى الكبير.
وعلى شاكلة ابراهيم
التحقت بنادى اخر لكرة القدم
لم يكن فى كبر ولا شهرة النادى الاهلى وانما كان مركزا للشباب يدعى مركز شباب الخالدي
ن فى منطقة الدراسة التى كانت تبعد عن حارة اليهود بثلاثين او اربعين دقيقة مشيا
حيث عرفنى بة احد اصدقائى فى المدرسة الاعدادية عمرو
والذى معه كنت اعود من المدرسة الى البيت
تارة بالترام وتارة مشيا على الاقدام
نتبادل الحديث عن المدرسة وعن حارة اليهود
حيث كان كلانا يسكن هناك
انا فى سوق الصيارف وهو فى درب النصير
واحيانا كنا نذهب الى بيته حيث كان والديه فى العمل
وكانا قد اشتريا جهاز فيديو حيث كان يمكن لاى شخص الان
ان يستأجر شريط فيديو لأفلام السينما المختلفة العربية والامريكية ويشاهده فى منزله.
وصار عمرو مدمنا لأفلام الفيديو التى كان يستأجرها من محل الفيديو
الموجود فى وسط سوق الخضار تماما فى منتصف حارة اليهود
وخاصة بعد انتشار تلك الافلام التى كان يطلق عليها افلام ثقافية!!
ولم اعد ارى ابراهيم كثيرا خلال اعوام المرحلة الاعدادية الثلاث.
لازلت اذكر هذا اليوم فى اجازة منتصف العام الدراسى
وفى فصل الصيف حيث صيف القاهرة الحار وقد قاربت درجة الحرارة على الاربعين درجة مئوية
وقد كنت فى الصف الثالث والاخير من المرحلة الاعدادية
كانت ليلة خميس وكنت قد جلست اشاهد التلفاز مع اخواتى,
مدرسة المشاغبين مسرحية كوميدية لعادل امام
وبعد انتهاء المسرحية اخذت اعد حقيبتى الرياضية فغدا الجمعة ولدينا مباراة هامة
كان الخصم هو النادى الاكبر والاقوى والذى يلعب له ابن عمتى ابراهيم
الا ان ابراهيم كان يلعب فى فريق تحت 15 سنة
بينما كنت انا العب فى بطولات الناشئين تحت 14 سنة.
التهمت عدة حبات من فاكهة اليوسفى وكذلك الموز وذهبت الى الفراش,
بدا لى ان ملعب الكرة قد صار اكثر اخضرارا وجمالا,
لم يكن هناك احد من المشجعين والجمهور,
كنت انا بقميص فريقى الاخضر والسروال الابيض والجورب الاخضر
وكان الفريق المنافس بقميصه الاحمر وسرواله الابيض والجورب الاحمر,
ركل عزت الكرة من منتصف الملعب بأتقان فوصلت عند الجناح الايمن,
استقبلت الكرة الطويلة العالية على صدرى ثم الى قدمى اليسرى
واخذت اجرى بالكرة بجوار خط التماس وباتجاة مرمى الخصم حتى اقتربت من الراية الركنية
وقبل ان ارفع الكرة الى المنتصف الى رأس الحربة
متمنيا ان يضعها برأسة فى المرمى محرزا هدفا
جاء مدافع الخصم بسرعة شديدة
وقبل ان اتفاداه ارتطم بى,
لم اشعر بنفسى الا وانا اصرخ من الم الضربة فى ساقى اليسرى
وتجمع اللاعبون حولى
ثم جاء طبيب الاسعاف بردائه الابيض ورائحة صبغة اليود تفوح منه !!
لم يكن الا عم شكرى!!
وبدأت اشعر بدوار وارى اللاعبون المجتمعون حولى كخيالات تهتز,
عرفت منهم ابراهيم بشعره المجعد وعينية الكبيرتين حادتا النظر,
كان ينظر الى وانا مستلقى على الارض اتألم بنظرة شفقة
وبجواره كان حسن رئيس الشرطة المدرسية فى مدرسة العدوى
بنفس ملابس الكرة الحمراء التى كان يرتديها ابراهيم!!
كان مقطب الوجه
عبوث كعادته,
وحملنى عم شكرى على النقالة مع مساعد له اسمر اللون هادىء الملامح
يبتسم ابتسامة هادئة كان قريب الشبة من عم محمد
حارس المبنى المزدان بنجمة المثلثين امام مدرسة العدوى الابتدائية!
وبينما كان الجميع يحملق في دوت صرخة عالية
هرع على اثرها كل اللاعبين بالفرار ومعهم ايضا عم شكرى ومساعده الاسمر !!
وسقطت من فوق النقالة لأرى شبح اسود يطوى الملعب طيا ويجرى باتجاهى!
حاولت ان اتحامل على الامى وان انهض وبالفعل بدأت الجرى
الى انى تعثرت وسقطت مرة اخرى لتنقض علي ام جرجس وملامح الغضب تغمرها
وفجأة غرست اظافر يدها المتسخة والطويلة
وكأنها مبرد الحداد الذى كان فى يد الولد الشقى فى محل ابيه فى حارة زويلة!!
غرست اظافرها فى عينى اليسرى وبدأ الدم يتدفق منها بشدة !!
دقت على الباب خبطات قوية كانت كافية ان تنقذنى وتنهى هذا الكابوس المخيف
وتواصلت الدقات القوية على الباب,
كانت اولى خيوط النهار قد ظهرت من زجاج النافذة فى حجرتى.
نهضت امى مفزوعة وسرعت الى الباب مين مين?
انا محمد جاءها صوت مبحوح ومخنوق )
افتحى
( فتحت امى لتجد ابى حافى القدمين
والعرق يتصبب من جبينه العريض على وجهه المستدير ذو العينين الواسعتين الجميلتين,
كما كانت توصفهما امى دائما,
ورموشه الطويلة السوداء,
وتجمعت نقاط العرق فوق انفه الرمانى الوسيم وشفاه الغليظة محددة الرسم,
لم يكن طويل القامة كان يميل للقصر
شعره اسود داكن
يميل الى السمنة وان كانت بنيته قوية مملوئة بالعضلات,
كان يمسك بيده اليمنى مسدسه البلجيكى الصنع
والذى كان اشتراه هو وعمى رمضان, الذى اشترى مسدس اخر له,
من لواء الشرطة المتقاعد لبيب محمد احمد
والذى كان يأتى من الحين للأخر فيسهرون سويا فى مكتب ابى بعد انتهاء العمل
فيدخنوا الحشيش
او يستنشقوا خطوط البودرة بنية اللون
والتى كانت بمثابة الغازى الجديد لحارة اليهود واسمها الهيروين!
ضربت امى يدها اليمنى على صدرها وسألته
ماذا حدث?
دخل واغلق الباب خلفه وهو ينهج
تتسارع انفاسة ودقات قلبه والتى كدت ان اسمعها من وراء باب حجرتى
حيث وقفت وراء الباب وقد واربته قليلا لأسمع وأرى ما يحدث,
لا شىء لا شىء سأخبرك لاحقا
فقط اريد ان اذهب الى الحمام الان
ومضى الصيف بأكمله قبل ان ادرى ماذا كان يحدث وما هى ملابسات تلك الليلة!
ومع قدوم شهر اكتوبر وانتهاء الصيف الساخن فى القاهرة
وهبوب نسمات الخريف اللطيفة
بدأ الاستعداد لعام دراسى جديد
وذهبت الى المدرسة, مدرسة خليل اغا الثانوية
والتى كان علي ان اركب الترام لثلاث محطات ابعد من مدرسة باب الشعرية الاعدادية
فى اتجاه الشمال كى اصل اليها.
الفصل الثالث عشر
درب النصير
فى اول ايام الدراسة بدأ الحزم فى المدرسة
فقد اصطففنا فى طابور الصباح المعتاد وكالعادة
سلام العلم النشيد الوطنى اخبار الصباح كلمة مدير المدرسة
ثم اتسعت القائمة عما كانت عليه فى المدرسة الاعدادية فشملت كلمة ضابط الجيش
المكلف بالمدرسة حيث يتواجد هو وعدة افراد أخرين فى المدرسة لتهيئة الطلاب
لبعض القواعد الاساسية للتدريب العسكرى
وبعد انتهاء اليوم الدراسى الاول
طويل وممل
خاصة وانه جاء بعد فترة الاجازة الصيفية الممتعة
حيث لعب الكرة كل يوم اما فى النادى او مع الاصدقاء فى الشارع
او حتى مشاهدة بعض الافلام الثقافية فى شقة عمرو
وقررت ان اعود هذا اليوم مشيا على الاقدام كى اتفقد العالم الجديد المحيط بالمدرسة .
رافقنى فى طريق العودة عمرو والذى لم اكن رأيته لأكثر من شهر
)اية اخبارك يا عمار(
اجابنى عمرو )كويس, اية ياعم مغامرات جيمس بونت بتاعت عائلتكم هذة !!(
لم افهم ماذا كان يعنى
واستطرد عمرو يحكى لى عن معارك الليل المتصلة والمتعاقبة فى درب النصير ,
قال )تعلم انه توجد ارض خربة خالية بها أثار هدم بيت قديم بالقرب من بيتنا?(
هززت رأسى
)ذات مساء بينما كنت اشاهد احد افلام الفيديو, فيلم عادى مش ثقافى! (
ابتسمت واسترقت السمع بترقب لكلامه
)كنت جالس مع امى نشاهد الفيلم ولم يكن ابى قد عاد من العمل بعد
حتى سمعنا فجأة ضوضاء وضجيج عالى ينبعث من قطعة الارض هذة والمواجهة لبيتنا,
لم نأبة فى البداية ولكن حين تعالى الصوت والذى كان مزعجا
و كان مزيجا من صوت رجال كثيرون وايضا صوت ماكينة عالية بدت وكأنها ونش او بلدوزر بناء,
ازدادت الضوضاء والضجيج ولم نعد نستطيع ان نسمع حوار نور الشريف وبوسى
فى الفيلم العربى الذى كنا نشاهده!!
خرجت امى للبلكونة - الشرفة - وخرجت معها لنرى ماذا يحدث
فوجدنا عائلة الشريف برمتها رمضان الشريف - محمد الشريف - عباس - مختار - جمال - فتوح
وعدد كبير من الرجال والشباب قاربوا على الثلاثين رجلا اجمالا ومعهم ونش بناء صغير
أخذ يقوم برفع بعض القمامة وهدم المبنى الموجود على الارض
بينما قام محمود الاعرج الذى يعمل فى الوكالة التجارية عند ابيك
بتوزيع الشربات على الورش التجارية المتناثرة فى درب النصير وايضا على الشقق السكنية
ومع الشربات كان يخبر الكل ان عائلة الشريف قد اشترت هذة الارض
وانها ستقوم ببنائها فى غضون شهور قليلة ,
مبنى تجارى كبير يحوى العديد من الورش و المحلات التجارية,
اسعار البيع ستكون فى متناول الجميع
فاذا كان لديكم خطط مشروع تجارى يمكنكم من الان حجز وحدة لكم فى المبنى الجديد.
تعجب سكان درب النصير من تلك التطورات السريعة فى منطقتهم بين يوم وليلة!!
تعبنا من المشى بعد ان وصلنا الى منتصف الطريق تقريبا عند ميدان باب الشعرية
وقررنا ان نركب الترام للمحطتين المتبقيتين
قفزنا فى الترام وواصل عمرو حديثه,
بعد هذا ذهب ابوك واعمامك وتركوا اربع رجال كخفر وحراس على الارض
بعد ان شيدوا لهم خيمة صغيرة للمبيت,
كان ابى قد عاد حينها واخذت امى تعد له طعام العشاء بينما واصلت انا مشاهدة الفيلم
والذى كان قد قارب على نهايته عندما ارتمت بوسى على ذراع نور الشريف عند البحر
وقالت له بحبك يا ابراهيم ثم بدأت رموش عينيها الطويلة الكحيلة بالاهتزاز بسرعة
واستعدت عينيها العسليتين الجميلتين لأن تغلقا ثم تموت نتيجة لمرضها الخبيث
لكن نور الشريف اخذ يهز رأسها وقال لها مش ممكن مش ممكن تموتى
ثم سمعنا طلق نارى
( اتسعت حدقتا عينايا اللتان كانتا تشبهان عينا ابى الجميلتان مثل ما كانت تقول امى,
ماذا ضربها نور الشريف بالنار ام انتحرت هى بعد ان افرغت رصاصة فى سقف حلقها?
ضحك عمرو لا لا
لقد كان صوت الرصاص يأتى من خارج البيت واسرع ابى ومن بعده انا لنشاهد مصدر هذا الرصاص
فوجدنا صادق اليمانى وعائلته برمتها
وايضا اصهارة اسماعيل الليثى واولاده ,
رأيناهم جميعا وقد هجموا على الارض الخالية
والتى كانت ولساعة واحدة خلت مليئة بعائلة الشريف!!
اخذ صادق اليمانى ضخم الجثة والذى كان يسكن مع اقاربه فوق وكالته التجارية بدرب السقالبة
المتفرع من حارة اليهود,
وهو الصعيدى الذى كان يرتدى دائما جلبابه الرمادى الواسع والطويل
والذى كان يحمل طرفه احيانا بيده واحيانا يشده بأسنانه اثناء عمله فى وكالة طلى الحلى
والتى كان يملكها هناك فيظهر سرواله الابيض الكبير الواسع من تحت الجلباب,
اخذ صادق فى اطلاق عيارات نارية فى الهواء من مسدس كان يحمله بيده
بينما هم رجاله بضرب الخفر واللذين كان ابوك واعمامك عينوهم لحراسة الارض.
وصل الترام الى محطتنا فى شارع بورسعيد وهبطنا منه بقفزة صغيرة حذرة
ثم عبرنا الطريق الى الجانب الشرقى حيث شرعنا فى السير فى حارة زويلة ,
واصل عمرو حديثه,
فر رجال الخفر من الارض بعد ان اشبعهم رجال صادق اليمانى ضرب واحتلوا خيمتهم,
ووقف صادق فى منتصف الارض وفوق تلة صغيرة من تراب الهدم وقال
احنا اشترينا الارض دى من اصحابها ومحدش يملكها غيرنا.
بدأت رائحة حارة زويلة المميزة تزكم انوفنا,
سألت عمرو وماذا حدث بعد ذلك?
استطرد عمرو, لم يمض اكثر من ليلتين حيث تكرر ما حدث
ولكن هذة المرة بصورة عكسية
فقد شنت عائلتكم, عائلة الشريف, غارة مضادة وقامت بضرب حراس صادق اليمانى
واعادة السيطرة على الارض
وهكذا دواليك على مدار الشهر الماضى!!
ودعت عمرو عند وصولنا الى مشارف درب النصير بعد ان تواعدنا على اللقاء صباح اليوم التالى
لنذهب للمدرسة سويا,
واصلت السير بمفردى حتى وصلت الى المنزل بعد ان مررت على محل ابى التجارى,
وجدته هناك جالس مع مجموعة من الرجال لم اراهم فى حارة اليهود من قبل,
ملابسهم تختلف عن ملابس التجار فقد كانوا يرتدون قمصان ورابطات عنق,
وكذلك كانت طريقة حديثهم الرزين على عكس التجار بصوتهم العالى ولغتهم التجارية المميزة
اديلو حمشة, حز الدفش اللى فى شلك, تعاشيق
كانت لحارة اليهود خاصة وللموسكى والصاغة بصفة عامة لغة خاصة بهم
حيث كانت هناك كلمات غير مفهومة للزبائن والغرباء عن الحارة
ولكن كان يفهمها تجار الحارة وصبيانهم فقط !!
حيتهم, السلام عليكم, بصوت منخفض
كانوا مستغرقين فى كلام مهم على ما يبدو,
رد احدهم التحية, وعليكم السلام,
صعدت درجات السلم والقيت الحقيبة البنية الجديدة الثقيلة جدا لما فيها من كتب ودفاتر,
استلقيت على السرير, نمت على ظهرى وفردت ذراعى واخذت نفس طويل!
بدأت اتعود على المدرسة الثانوية والنظام الجديد
وبعد مرور ايام قليلة قابلت ابراهيم فى المدرسة فقد كان سبقنى اليها بعام
كما كان الحال فى المدرسة الاعدادية
كانت لهجة حديثة قد تغيرت قليلا وبدا عليه نوعا ما من الغرور!
سلام يا ابراهيم اية اخبارك فى النادى?
سألته فى فترة راحة الظهيرة عندما كان يداعب الكرة مع بعض الطلاب الأخرين,
الحمد لله فريقنا هو الاقوى فى كل مصر الان
ولا بد ان مدرب منتخب الناشئين لن يجد لاعبين افضل منا
للمشاركة فى تصفيات كأس العالم للناشئين تحت 17 سنة,
استمعت الية وقد كانت الانا فى حديثه قد ارتفعت لهجتها
وبدأ يتحدث عن فريقه وكأنه الافضل فى عالم الكرة!
اقتضب الحديث معى
وواصل حديثه مع مدرب كرة القدم فى المدرسة عن دورى المدارس الثانوية
والذى سيبدأ بعد ايام قليلة.
عدت من المدرسة مع عمرو,
سيرنا قليلا من المدرسة حتى ميدان باب الشعرية,
توقفنا عند محل عصير القصب فى الميدان الواسع الذى يتوسطة طريق الترام
وتنتشر على جانبيه عدة محلات تجارية ومقاهى
وكذلك مسجد الشعرانى
وبالقرب من المدرسة الاعدادية كان محل عصير القصب
حيث تراصت اعواد القصب داخل المحل
واخذ احد العمال يتناولها عودا بعد الاخر ثم يدخلها فى العصارة الكهربائية
والتى كانت تخرج العصير فى اناء كبير ثم تلقى بقشر القصب من الناحية الأخرى.
دفعنا مقدما خمس قروش للمشروب الواحد ثم تناولنا العصير المسكر,
واصلنا السير كالعادة
وبعد ان ودعت عمرو عند منزله فى درب النصير واصلت السير فى حارة اليهود
حتى منزلنا واسفل المنزل وكالعادة مررت على متجر ابى.
كان ابى هناك يجلس على المكتب الخشب البنى الكبير
والذى على جانبه الايمن, يمين ابى وهو جالس, كان هناك تلفاز صغير
وعدة تليفون سوداء كبيرة كان جرسها يصدر ازعاجا كبيرا عندما تأتى مكالمة!!
تماما صوته كصوت جرس المدرسة النحاسى فى مدرسة العدوى,
وامام المكتب كانت هناك اربعة كراسى جلد اسود فاخر
جلس عليها عمى رمضان وعمى عباس ومحمد ابو شوشة صديقهم وتاجر المانيفاتورة فى الوكالة المجاورة. حيتهم, السلام عليكم,
جاء الرد حارا و بصوت عالى ولهجة مبتهجة, وعليكم السلام يا عرب!!
صعدت درجات السلم قليلا ثم توقفت اتسمع لحديثهم,
كان عمى رمضان يتحدث لمحمد ابو شوشة
اخيرا انتهينا من المشكلة سنبدأ بناء الارض من يوم الاثنين
وكلها ثلاث او اربع شهور ويتم البناء خمس ادوار
فى كل دور 12 ورشة هذا غير المحلات فى الدور الارضى,
اجابه محمد ابو شوشة بأبتسامته الجميلة والمتواضعة
وعضلات ذراعية البارزة من قميصه الاسمر والمكوى بعناية
وقد كان نحيل ذو خصر صغير وقامة متوسطة اكتافه عريضة
يبدو لمن يراه انه يمارس رياضة حمل الاثقال او كمال الاجسام
وذلك لتكوين عضلات كتفه وذراعيه الجميله,
فاتح اللون ,لون البشرة, وله ملامح صغيرة دقيقة ووسيمة,
انا عايز اعرف لية دفعتم ليهم فلوس?
انتم كنتم الاقوى ,
كنتم اقرب للأنتصار, وأجبارهم على الانسحاب من المواجهة دون اى تكاليف!!
رد أبى
تماما كما قلت,
ولكن امس زارنى مأمور قسم الجمالية, قسم شرطة المنطقة وجلس معى
وكان معاه سيد بيه ذكى, عضو مجلس الشعب عن الدائرة
وكان قد جاء للتوسط لأنهاء الازمة
وقد قالى لى المأمور, يا حاج محمد انا مش عايز مشاكل اكتر من كدة فى المنطقة,
انتوا ناوين على ان يسقط قتلى لكى تنتهى المشكلة ولا اية?
انتم اقوى والكل عارف دة وسيد بيه لن ينسى وقوفكم معه فى انتخابات مجلس الشعب
ومجهود اسرتكم الجبار والذى كان له الفضل فى نجاحه ودخوله المجلس,
كان المأمور والذى لم يقلها صراحة يشير الى الدعايا الضخمة من يافطات وملصقات
وكذلك اجتماعات قد تكلف بها ابى واعمامى لمساندة سيد ذكى مرشح الحزب الوطنى الديمقراطى,
حزب الحكومة,
ناهيك عن يوم الانتخابات عندما سيطر ابى واعمامى على معظم الدوائر الانتخابية فى المنطقة,
وكانت مسدساتهم البلجيكية الصنع تنطلق من الحين للأخر
لإرهاب اى من سولت له نفسه للتصويت لمحمود زينهم
المرشح الناصرى والمنافس الاقوى والذى كان صادق اليمانى واسرته قد تكفلوا بمناصرته,
وبعد ان مر يوم الانتخابات الرهيب
كان قد بات من المؤكد ان سيد ذكى هو الفائز
ولا عزاء لمن حاول ان يمارس حقه الديمقراطى واختيار من يمثله فى البرلمان!!
قد كان ما يحدث فى دائرة الجمالية بمساندة عائلتنا وعائلات اخرى ذات نفوذ
يتكرر فى معظم انحاء البلاد من اقصاها لأدناها!!
استطرد المأمور,
على كل ياحاج محمد اعتبر صادق كلب وطمعان فى عضمة !!
اعطه مبلغ من المال وانا هاقنعهم بقبول ذلك والتوقف للتعرض لرجالك فى الارض
او احداث اى مشاكل او مشاغبات فى المستقبل.
ابتسم محمد ابو شوشة,
على كل حال مبروك يا حاج محمد, مبروك يا حاج رمضان
ستصبحون مليونيرات بعد بناء وبيع هذة الارض.
شعرت بامتعاض و غثيان , اسرعت بالصعود على درجات السلم
وكان يتداخل الى سمعى موسيقى اغنية لأحمد عدوية
كانت تنبعث من جهاز تسجيل فى شقة الجيران فى الدور الثالث,
زحمة يا دنيا زحمة, زحمة وتاهوا الحبايب, زحمة ولاعدش رحمة, مولد وصاحبة غايب!!
طرقت الباب ودخلت
كانت امى قد اعدت الطعام,
محشى ملوخية بالفراخ, اكلت على الطبلية مع اخوتى
سهام سلوى بسمة وعمرو والتى امى قد انجبته اخيرا بعد ان واصلت انجاب البنات
وكانت قد نذرت اذا كان المولود القادم ولد ان تسميه عمرو
تيمنا بعمرو بن العاص فاتح مصر والذى كنا نسكن من قبل بجوار مسجده فى مصر القديمة.
بعد الاكل ذهبت لأستريح قليلا على سرير ابى فى حجرته,
اخبرتنى امى بأنه يوجد تحت السرير قفص مانجو اشتراه ابى امس,
كل منه ما شئت هكذا قال ابوك,
كنت اعشق المانجو,
نزلت تحت السرير
فتحت القفص
اجهزت على معظمه
وفى المساء اخذنى ابى وعمى عباس الى مستشفى الحسين الجامعى
لعرضى على الطبيب بعد ان انتشرت بقع حمراء كبيرة فى كل انحاء جسمى!!
رأنى الطبيب الشاب وضحك,
كم عدد ما أكلت من المانجو?
قلت له عشرة او اكثر,
قال عليك ان تكف عن المانجو ولفترة طويلة فقد اصبت بحساسية جراء اكل الكمية الكبيرة.
وفى طريق العودة للبيت ركبت مع ابى فى المقعد الخلفى للسيارة المرسيدس الصفراء
والذى كان اشتراها ابى مؤخرا, ايضا واحدة له واخرى لعمى رمضان
تماما مثل ما اشتروا المسدسين البلجيكيين
وقاد عمى عباس السيارة,
داعبنى ابى علشان تحرم اكل نصيب اخواتك من المانجو,
استجمعت شجاعتى وسألت ابى مباشرة
لماذا كان عليك ان تدفع فلوس لصادق اليمانى يا ابى?
لماذا اقترح المأمور هذا?
ولم كان كل هذا الصراع على قطعة الارض هذة فى درب النصير?
تنهد ابى وقال صادق اليمانى وعائلته زوروا عقد ملكية للأرض
وحاولوا الاستيلاء عليها ولكن ربنا ستر.
ولما هذا هو الامر لماذا تعطى لهم فلوس?
قلت له ,
ضحك ابى وقال لأنه لو استمر الامر هكذا فكان سينتهى اما بقتيل من الطرفين
او اللجوء للمحكمة والتى كانت ستكتشف ان عقد صادق اليمانى المزور
لا يختلف كثيرا عن العقد الذى نملكه نحن !!
ماذا?
صدمت للأجابة
واخذت احك ذراعى الايسر والتى ظهرت بقع حساسية المانجو بوضوح عليه,
كيف هذا ?
ان كان كلا العقدين مزور فأين العقد الحقيقى?
قال ابى لا يوجد عقد, هذة ارض مهجورة تركها اصحابها وهاجروا البلاد منذ سنوات قليلة ,
هاجروا الى اين?
ولماذا?
سألت نفسى!!
الا تخشون ان يعود اصحاب هذة الارض ليطالبوا بها يوما ما ?
سألت ابى,
كان الجواب لا لن يعودوا فهم الان فى وطن جديد!!
لم يشف الجواب فضولى, كيف يترك الناس ممتلاكاتهم وبيوتهم ليسافروا الى اماكن
او اوطان اخرى
او لم يكن اولى لهم ان يبيعوا ممتلاكاتهم تلك اولاً?!
تساءلت,
تثائب ابى على المقعد الخلفى المريح فى السيارة المرسيدس,
احيانا يضطر الناس لان يفعلوا اشياء عدة فى حياتهم دون ارادتهم
ودون ان يسمح لهم بحق الاختيار,
ولأننا هنا فى حارة اليهود
فإن ارض درب النصير هى
مجرد مثال لعدة اماكن اخرى مماثلة منتشرة فى الحارة
والمتفرعة من حى الموسكى التجارى حيث أغلى اسعار الاراضى فى كل مصر.
كانت قصة قطعة ارض درب النصير
والتى بفضلها صار ابى واعمامى من طبقة الملاك والاثرياء فى مرور شهور قليلة,
كانت بداية لقصص عديدة مماثلة ومشابهة فى حارة اليهود
- ولانها كانت حارة اليهود- فلقد كانت الاراضى والبيوت المهجورة بالعشرات
فى انتظار الاقوياء ليأتوا ويستولوا عليها بعقود مزورة
وبالتعاون مع المحاميين, رجال القانون, والذين تفننوا فى تزوير العقود وتفصيلها
لتصير قانونية
وايضا بالتعاون مع بعض رجال الشرطة ومسئولى الحى
وبعض السياسيين واعضاء البرلمان احيانا !!
ولان الصفقات كانت تأتى بأرباح بملايين الجنيهات ,
حيث أن حارة اليهود داخل حى الموسكى الغنى بالتجار والصياغ,
فلقد كثر الصيادون
و كثرت معارك الشوارع واستخدام الاسلحة النارية والاسلحة البيضاء والهراوات وخلافها…
و فى غضون زمن قصير
صاراثرياء حارة اليهود ومناطق مجاورة عديدة من اسياد عصر الانفتاح الجديد ----
كانت مفاجأة كبيرة لى ان انهى المرحلة الثانوية بتفوق بل والمركز الاول على القسم الادبى
فى مدرستى حيث حصلت على مجموع 82% وبدأت بالتفكير فى اى الكليات ألتحق.
اراد ابى ان يلحقنى بكلية الشرطة وكان قد اتفق مع صديقه اللواء لبيب على ذلك
وبالطبع كان اللواء لبيب مستعد للتدخل بالمساعدة فى ذلك فأفضال ابى وعمى عليه واسعة
خاصة فى المزاج والذى كان غالى الثمن
فلقد اصبح سعر جرام البودرة او ما كان يطلق على الهيروين 400 جنية مصرى ,
كان هذا يعنى مرتب موظف حكومى لمدة شهرين فى المتوسط !!
شاورنى ابى فى ذلك وبالطبع رفضت فأكثر من كنت ابغض كان استاذ فتحى
وحسن رئيس الشرطة المدرسية وعسكرى الدورية الذى كان يجول مساءا فى حارة اليهود
وكذلك المأمور صاحب مثل الكلب والعظمة
وقررت ان ألتحق بكلية الأداب جامعة عين شمس بعد ان نصحنى بذلك طارق ابو شوشة
ابن محمد ابو شوشة جارنا فى حارة اليهود والذى كان يكبرنى بعامين,
حينها قال لى ان المستقبل لدراسة اللغات الحية
وفرص العمل فى أغلبها تطلب متحدثى اللغة الانجليزية,
واستمعت لنصيحة طارق ودخلت كلية الأداب.
وفى الجامعة كان كل شىء مختلف!! فلا عسكر ولا حصص دين لأول مرة,
كان الطلاب الذكور مع البنات يدرسوا فى مكان واحد
وتفنن كل شاب وكل فتاة جامعية فى التأنق والتزين للظهور بمظهر جذاب خاصة امام الجنس الأخر.
وفى كلية الأداب كان هناك ممر جيمى الشهير
حيث سمى بذلك نسبة لوجود كشك مشروبات به يملكه رجل مسن اسمه جمال
فأطلقت عليه الفتيات لقب جيمى
وفى هذا الممر والذى كان يمتد لعشرون مترا, ربما أقل, كان مكان لتجمع الفتيات والفتيان
للحديث والأخبار,
وكانت الجامعة عالم جديد
فيه كل شىء لتبادل الحديث عن كل شىء
والأستعداد للحياة العملية المستقبلية ,
فيه تعاطى الشباب الفن والأدب والسياسة والحب والجنس!
كل شىء كان هناك.
فى نفس كلية الأداب كان طارق ابو شوشة هناك يكبرنى بعامين ويدرس فى قسم الأجتماع
وأيضا كان ابراهيم هناك يكبرنى بعام ويدرس بقسم علم النفس
ومر العام الأول فاتر وصعب
حيث لم يكن مستواي فى اللغة الانجليزية يؤهلنى لأن أفهم وأستوعب المحاضرات الطويلة
عن شكسبير, مارلو, دكنز, والأخرين والتى كانت كلها بالأنجليزية فقط !
ولم ادرى كيف استطعت ان انجح فى الأمتحانات وانتقل للصف الثانى !!
--- وفى الصف الثانى بدأ كثير من الطلاب فى التفكير للانضمام لاحدى الاسر الأجتماعية
لممارسة النشاطات المختلفة من حفلات ورحلات ..
وعندنا فى قسم انجليزى كانت هناك الجمعية الأنجليزية
وكانت عبارة عن تجمع طلابى اجتماعى يتمركز نشاطها اساسا على القيام بالنشاطات الفنية
والأدبية المتمركزة حول اللغة الانجليزية
كعرض بعض مسرحيات شكسبير
وكذلك الندوات الثقافية والشعرية للكتاب والشعراء باللغة الانجليزية .
ولم اكن أرى نفسى فيها وسط الطلاب الاعضاء
الذي كان معظمهم من ابناء السفراء او المبعوثون الاجانب او كبار رجال الدولة
والذين سبق لهم السفر للخارج وممارسة اللغة فى أكثر من مناسبة
ولعل هذا كان الدافع الأكبر للأنضمام للأسرة الاجتماعية الجديدة
والتى أنشأت فى قسم اللغة الأنجليزية عندنا ألا وهى اسرة) ابداع (
تحت اشراف دكتور رضوى عاشور استاذة الادب الانجليزى
والتى كانت تدرس لنا الادب الافروامريكى.
كنت قد اعجبت بأسلوبها فى الشرح وتعاطفها
اثناء تدريس مادتها عن الزنوج الامريكان الذين تعرضوا للظلم والاستعباد فى امريكا
وعانوا من عنصرية الرجل الأبيض ,
مازلت اتذكر حينما كانت تشرح احدى القصائد بعنوان (no more auction block)
لا خشبة مزاد جديدة!!
حيث كان يباع الزنوج على خشبات المزاد فى امريكا.
كانت المادة التى تدرسها تكشف عن الوجه القبيح والعنصرى لأمريكا
وكانت رضوى عاشور نفسها متزوجة من فلسطينى فكانت كثيرا ما تتعرض للقضية الفلسطينية
فى محاضراتها وتستعين ببعض اشعار سميح القاسم ومحمود درويش ومقارنتها بشعر الامريكان الأفارقة,
كانت فى نهاية الاربعينات من عمرها
لها وجه صغير وقامة صغيرة محدبة قليلا,
ذات شعر رمادى
وعندما قررت ان تنشأ اسرة ابداع اختارت للاشراف عليها حسن مهلل,
احد زملائنا فى الصف الثانى, طويل القامة كان يتعدى المائة وتسعون سنتيمتر,
نحيف له وجه ذو ملامح عنيدة
و قد عرف عن حسن فى المناقشات معها اثناء المحاضرات ,
ومع بعض الطلاب الأخرين فى فترات الراحة, ميوله اليسارية!
كان على حسن مهلل ان يشرف على اسرة ابداع
وبدأ بعض الطلاب القليلون بالأنضمام للأسرة, و كنت انا واحدا منهم
ومعنا بنت محجبة ذات انف كبير وصوت هادىء ومنخفض اسمها ضياء ,
وبعد ذلك تتابع انضمام طلاب اخرون.
كان اول نشاطنا تصميم مجلة حائط للأسرة وكتابة بعض المقالات بها
واثناء تصميم المجلة كانت اول مناقشاتى مع حسن مهلل كانت المناقشة حول كميونة باريس
ومن بعدها الثورة البلشفيه فى روسيا!!
كنا نتحدث عن كفاح العمال والفلاحين البلوريتاريا الذى اسفر عن الثورة الحمراء,
ثورة الفقراء العظيمة ضد مصاصى الدماء الرأسماليين!!
قلت له يا حسن لقد كانت ثورة اقتصادية كبيرة ,
قاطعنى حسن بل ثورة اجتماعية قلبت كل الموازين
وسطر التاريخ من النورصفحات تشع بأرادة الأنسان القوية,
ثورة ستعم اثارها كل انحاء العالم عندما يصير النظام الشيوعى هو النظام السائد فى كل الكون .
كان كلانا وربما كل شخص فى اسرة ابداع يسارى
ولكن كان هناك فارق
كنت انا اتبنى اليسار من منعطف الدفاع عن المظلومين والمضطهدين فى كل العالم
اما حسن مهلل فكان كلامه اكثر فصاحة, معلوماته اكثر دقة, كهرهه للأديان اكثر جرأة,
كان شيوعى من الرأس لأطراف القدم !
كان يبغضنى خاصة بعد ان عرف ان ابى ينتمى لطبقة التجار
او بمعنى أخر الطبقة البرجوازية المتعفنة كما كنا نطلق عليها!
كنت ادافع عن عبد الناصر وأراه يساري وطنى اراد تطبيق الاشتراكية ومبادئها
من عدل ومساواة واخاء فى البلاد بينما كان حسن يبغضه لأنه كان ينادى بالقومية العربية
وكان مصطلح قومية يتعارض مع مبادىء الشيوعية الأساسية.
ومع مرور الأيام بدأت الصورة تتضح أكثر فأكثر ففجأة اندلعت المظاهرات فى الجامعة
مثلها مثل كل جامعات مصر,
كانت الأسباب هى ارتفاع أسعار السلع المفاجئ وكذلك اندلاع الانتفاضة فى الاراضى الفلسطينية.
تجمع افراد اسرتنا مثل باقى الاسر الأخرى واخذنا نجهز اللافتات والشعارات المحمولة
ونكتب عليها العبارات الحماسية المختلفة
مثل) الأسعار بتولع نار( و)يا فلسطين ما نسناكى كل الشعب العربى معاكى(
وكانت لنا فى اسرة ابداع شعارات خاصة ذات لون خاص
مثل )يشربوا ويسكى وياكلوا فراخ واحنا الفول دوخنا وداخ(
و)عاش كفاح الطبقة العاملة(
بينما كان لبعض الأسر الأخرى ومنها أسرة الهدى على سبيل المثال شعارات أخرى
ذات لون مختلف مثل) ان الأقصى قد نادانا من سيعيد القدس سوانا(
وشعارات أخرى كثيرة
وكان يوم المظاهرات الأول ساخن
فبعد ان اعددنا لافتتنا فى أسرة ابداع بالدور الرابع حيث قسم اللغة الأنجليزية بكلية الأداب
حملناها ونزلنا الى الدور الأول,
حسن وانا وأكثر من عشرة طلاب وطالبات,
وفى الطابق الأرضى ألتقينا بمجموعات الطلاب من أقسام كلية الأداب المختلفة.
لم يكن العدد كبير فكلية الأداب ليست تلك الكلية التى تحوى الطلاب الوطنيين
او المهتمين بالسياسة مثل كلية الحقوق مثلا.
وبالفعل حينما سيرنا الى كلية الحقوق المجاورة كانت الأعداد كبيرة بالعشرات
ثم مررنا على كلية العلوم حيث ارتفعت حناجرنا أعلى وأعلى
)حسنى مبارك يا طيار الداخلية ماسكها حمار(
وكان وزير الداخلية انذاك, ذكى بدر, عرف عنه أسلوبه الهمجى فى مهاجمة المعارضة,
وبعد ان تجمع العدد بالمئات سرنا الى بوابة الجامعة الخارجية
حيث كانت قوات الأمن بالجامعة من ورائها قوات الأمن المركزى تنتظرنا
كان كل جندى هناك يشبة حسن قائد تلاميذ الشرطة المدرسية فى مدرسة العدوى;
ربوت اسمر أحمق يتحرك فقط عندما يدير أستاذ فتحى او ضابط الشرطة هنا الزمبلك الخاص بة!!
وكان كل ضابط شرطة أستاذ فتحى!
يثير الرعب فى نفوس المواطنيين بينما فى سريرته هو أسير أبلة رجاء
والتى كان ثوبها او فستانها البيج الملتصق على مؤخرتها الصغيرة والمستديرة
ككرتين من المطاط مثل تلك التى كنا نتسابق انا وابراهيم فى ركلها الى أعلى مستوى فوق المرمى
وليس بداخله علها تخترق فستان أبلة رجاء فتحرز هدفا بعد ان تهز شباك المرمى بقوة!!
كان فستانها كفيل لأسالة لعاب أستاذ فتحى من الحصة الأولى وحتى دقات جرس المرواح
فى نهاية اليوم الدراسى !!
)ياسر ياسر يا ابو عمار ارجع تانى لخط النار(ارتفعت الحناجر,
حناجر المتظاهرين وانا معهم,
بينما وقف ضباط شرطة الأمن المركزى على أعلى كبرى المشاه العلوى خارج البوابة الخارجية للجامعة
ومعهم المصورون المحترفون
وأخذوا يلتقطوا الصور فوتوغرافية وتسجيلات الفيديو للمتظاهرين واحدا تلو الأخر
تمهيدا لتحديد أشكالهم تماما,
ثم ,وبالتعاون مع ادارة الجامعة, فحص ملفاتهم والحصول على عناوين منازلهم
ثم مداهمتها فى ساعات الفجر الأولى واعتقالهم!
هذا ما تم بالفعل
ففى اليوم التالى عندما واصلنا المظاهرات كما كان مقررا
لاحظنا غياب معظم قادة مظاهرة الأمس ومعظمهم من طلاب كلية الحقوق.
واعتلى الاكتاف طلاب جدد وتكرر ما كان بالأمس.
وكان حسن بقامته الطويلة من ضمن من كانوا على الأكتاف فى هذا اليوم
واخذ ينعق بصوته الذى صار أبح بعد ساعات الصياح الطويلة )
,عاش كفاح الطبقة العاملة تسلم ايد الراية الحمرا(
وما ان قالها حتى ألقى به الطالب الملتحى الذى كان يحمله وقال له
)عليك اللعنة لم اعرف انك زنديق!! (
كانت قامتى القصيرة نعمة شكرت الله عليها فعند انتهاء المظاهرات بعد ثلاثة ايام متواصلة
كان معظم ,ان لم يكن كل, من اعرفهم قد تم أعتقالهم.
ولما كنت اعود للبيت اترقب وصول زوار الفجر كى ألحق بزملائى لم يأتى أحد !!
وهنا أدركت ان كاميرات التصوير كانت تلتقط الهامات العالية فقط!
وقد تخيلت انهم ربما التقطوا صورا بالفعل وعندما ذهبوا لفحص ملفى فى ادارة الجامعة
وجدوا عنوانى 3 شارع سوق الصيارف المتفرع من حارة اليهود
فأستبعدوا ان أكون جادا فى قيادة مظاهرة لدعم الأنتفاضة الفلسطينية!!
او ربما ان اللواء لبيب صاحب ابى كان قد أخبرهم
بعد ان أخذ خطين بنى من فوق بلورة الزجاجة على مكتب ابى
وبعد ان برم ورقة من فئة العشرة جنيهات فجعلها كأنبوب صغير
ووضع طرفها على فتحة انفه الكبير المنتفخ والطرف الأخر ملاصق لصف البودرة
ثم استنشق من الأنبوب ,تماما كموتور سحب المياة
الذى كنا نستخدمه فى بيتنا القديم فى مصر القديمة حيث لم تكن المياة تصعد للدور السادس بدونه,
فأندفعت حبات البودرة فى الأنبوب ثم الى اعماق انفه فأخترقتة
وواصلت الأندفاع الى ان استقرت
لا ادرى اين
ولكن بالتأكيد فى مكان ما أشعره بالأنتعاش والنشوة
فحمل سماعة التليفون
)انا اللواء لبيب محمد أحمد ادينى العقيد فلان الفلانى فى أمن الدولة,
أسمع يا ابنى فى ولد صغير اسمه سيد ابوه حبيبى
وليه أفضال كبيرة ومجهود مشكور فى مساندة الحزب الوطنى الديموقراطى فى الأنتخابات
غرر به بعض الأولاد المنحرفين فى الجامعة واجبروه على مشاركاتهم فى المظاهرات أمس,
الولد يخصنى يا فلان بيه ولا داعى لزيارته فى الفجر, سلام يا باشا !!
انتهت المظاهرات بعد ان تم اعتقال عدد من الطلاب لعدة أيام
وفى اول أيام الدراسة بعد انتهاء المظاهرات عدت للجامعة.
ألقت الدكتورة مارى مسعود محاضرةعن مسرحية )تاجر البندقية( لوليم شكسبير,
وكنا قد بدأنا دراسة هذة المسرحية منذ بداية العام,
وابدعت المحاضرة التى كانت ترأس قسم اللغة الأنجليزية وهى فى العقد السادس من عمرها
فى وصف شيلوك المرابى اليهودى والذى اشترط فى حالة عدم استرداد قرضه
ان يقطع من جسد البطل جزء من جسده!
كان شيلوك يهوديا قاسيا وشريرا,
لم يكن مثل هؤلاء الذين حدثنى عنهم ابى يتاجرون فى حارة اليهود!
ربما كان من الفريق الأخر الذين اغتالوا قرة عين ام جرجس!
بعد انتهاء المحاضرة أقترب منى مصطفى, أحد طلاب الصف الرابع والنهائى فى القسم,
كان متوسط القامة ابيض اللون شعره مفترق من الجنب ومصفف على الجانبين
ممتلىء الجسد - بدين قليلا-
حسن الهندام, لباسه رسمى كموظفى الضرائب;
قميص ازرق فاتح مكوى ونظيف, بنطلون صوف رمادى,
حذاء اسود برباط, نظيف ومدهون بالورنيش,
ملامح وجه باردة, هادئة, مريبة!
بادرنى بالحديث
البوليس اعتقل علاء عامر وحسن مهلل وصلاح ياسين, اهم طلابنا فى الجامعة
- لم أدرى ماذا كان يعنى بطلابنا -!!
والأن انت المرشح للقيادة -
ماذا ?
قيادة ماذا?
لقد انتهت المظاهرات,
ثم انا قصير القامة!
ليس هذا فحسب بل ان ابى من الطبقة البرجوازية المتعفنة!!
طلب مصطفى منى ان نتقابل بعد الجامعة فى أحد المقاهى
بميدان العباسية القريب من الجامعة
وبالفعل ذهبنا الى المقهى الصغير فى ميدان عبده باشا بالعباسية,
طلب هو شاى بالنعناع
طلبت انا عصير مانجو
نظر الي باذدراء ثم أسترد نظرته ورسم ابتسامة صفراء مصطنعة على شفتيه
واستطرد يقول )منذ فترة ونحن نلاحظ حماسك المتناهى ووطنيتك الكبيرة داخل الجامعة
خاصة خلال ايام المظاهرات الأخيرة ولذا قررنا بالفعل ضمك معنا الى الحزب (
حزب ايه ؟! سألته بدهشة وانا أبتلع عصير المانجو المسكر اللذيذ
واتسمع للسمفونيات الموسيقية الصدرة من مدخنى الشيشة داخل المقهى!!
انفاس صاعدة وأخرى داخلة ودخان يعبق المكان
الا ان مراوح السقف الكبيرة التى كانت تشبة مراوح طائرات الهليكوبتر كانت تنقى الهواء بسرعة
قبل خروج دفعات جديدة من الدخان والذى على الأقل لم تكن رائحته حادة وسيئة للغاية
مثل دخان الأص الذى كان يدخنه محفوظ القهوجى فى درب محمود!
استطرد مصطفى قائلا
حسن مهلل وصلاح ياسين كانوا قادة الحزب فى كلية الأداب والحقوق بجامعة عين شمس
وبعد اعتقالهم رأينا ان تكون انت ممثل الحزب الشيوعى المصرى فى…
(الحزب الايه !!!
كنت أعرف ان هناك الحزب الوطنى الديموقراطى حزب الحكومة
والذى لا يهزم ابدا فهو محصن قوى لا يهتز ولا ينهار
صامدا صمود حصون عكا
وكان هناك حزب الوفد الجديد لصاحبه الباشا, كما كان يطلقون عليه, فؤاد سراج الدين
وكان هناك حزب العمل الأشتراكى ورئيسه ابراهيم شكرى
وكنت أكرههم جميعا وأتعاطف مع الحزب الأخر او الأخير وهو حزب التجمع الاشتراكى
ورئيسه خالد محى الدين احد الضباط الأحرار من رفاق عبد الناصر
والذى عرف بميوله اليسارية
أما الحزب الشيوعى
فلم أكن اعرف سوى البلاشفة والمنشفيك قبل قيام الثورة العظيمة فى روسيا 1917م ,
وقاطعنى مصطفى
نحن حزب سرى تحت الأرض نعمل فى اطار حزب التجمع
وهدفنا هو ارساء النظام الشيوعى يوم ما!
ناولنى مصطفى بعض الكتب كان منها رأس المال لكارل ماركس,
رواية الأم لجوركى وكتاب قصص قصيرة لتولستوى
وأتفقنا على ان نلتقى بعد أسبوع لنواصل حديثنا.
مرت أيام وخرج حسن مهلل وصلاح ياسين
ومعظم الطلاب الأخرين الذين تم القبض عليهم فى المظاهرات,
خرجوا من المعتقل وكانت معهم ليلى طالبة الحقوق
والتى سمعت اسمها اول مرة عندما كان مصطفى وحسن يتحدثون عنها
وعن حزبها المنشق الخائن وبالطبع لفت نظرى هذا الحديث
فبادرت مصطفى والذى كان مازال يغذينى بالكتب المختلفة
لأنجيلز , ماركس, بوشكين, ديستوفيسكى
) ماذا تعنى بهذا? لأى الأحزاب تنتمى ليلى?
لو كانت فى الحزب الوطنى ما كان تم القبض عليها
اذاّ فهى فى المعارضة ولكن اى حزب هذا المنشق ؟(
مصمص مصطفى شفتيه وبدت أبتسامته,
أبتسامة صفراء صغيرة من وجهه البارد الأبيض وكأنه قد عاد لتوه من رحلة تدريبية فى
سوتشى او نجنى نوفجورد!!
) ليلى تنتمى لحزب العمال الشيوعى وقائد ومؤسس الحزب التاريخى هو تروتسكى,
رفيق لنين أبان الثورة البلشيفية الا انهم اختلفوا
فقد كفر تروتسكى الفلاحين وأستبعدهم من ان يكونوا رفاق كفاح
لأن طبيعتهم كفلاحين يرمون البذور ثم ينتظرون الغيبيات مثل هطول الأمطار
وهبوب الرياح لتساعدهم فى فى انماء المحصول - لم تكن تؤهلهم ان يكونوا كالعمال -
العمال الذين هم وحدهم القادرون على صنع الأحداث والتاريخ
فقط بسواعدهم دون اى مساعدة من الاه او اى غيبيات أخرى!!
حسنا, بدت الصورة تبدو أكثر وضوحاّ,
لقد كان هناك أكثر من حزب شيوعى
وكلاّ يغنى على ليلاه!
نجحت فى العام الثانى وصعدت للعام الثالث بعد ان كنت قد التهمت قراءة عشرات الأعمال
من الأدب الانجليزى على الصعيد الأكاديمى
والأدب الشيوعى على الصعيد الحزبى
وفى الوقت ذاته واصلت لعب الكرة
وأتسعت دائرة الأصدقاء.
أما عن ابراهيم فقد تعسر فى دراستة لعلم النفس فى كلية الأداب
وبدا انه وجه كل ميوله واتجاهته نحو كرة القدم مما أثر بالسلب على حياته الدراسية بالجامعة.
على كل كانت لقاءاتنا قد صارت قليلة ومحدودة.
اقترحت دكتور رضوى عاشور مشرفة أسرة ابداع ان نقوم بعمل تقرير صحفى فريد
ومميز لمجلة الحائط الخاصة بأسرتنا
اقترحت بأن يكون الموضوع عن التراث اليهودى فى مصر!
أثار الموضوع دهشتى وفضولى ولكنى أخيراّ كنت قادراّ ان أقود الأسرة او المجموعة
فى عمل ما خاصة وان حسن مهلل لم يكن متحمساّ للموضوع وقرر الا يشترك معنا فى اصداره
وبالفعل تم تكوين فريق عمل من خمس طلاب بقيادتى ومعى ضياء المحجبة الهادئة
ذات الأنف الكبير والطابع الرزين وايضاّ صفاء التى كانت قد انضمت للأسرة
من أجل الرحلات الترفيهية والحفلات ولم يكن لها اى ميول او اهتمامات اخرى
وهشام الفتى قوى البنية طويل القامة والذى كان دائماّ يحاور حسن وتتعالى أصواتهم,
حسن مدافعاّ عن الشيوعية وهشام منتقضاّ لها
وأسامة الولد الأنيق ذو النظارات الريبان ray ban ذات العدسات الخضراء والذى كان يشارك صفاء فى كره السياسة ومناقشاتها.
وفى أحد أيام الأحاد قررنا أن نقوم بالجولة الصحافية فى حارة اليهود وذلك بعد ان أقترحت انا هذا.
خرجنا من بوابة الجامعة حيث كان الطقس مشمس رائع وسرنا حتى ميدان العباسية
الذى كان يبعد عن الجامعة بحوالى مائة متر فقط وهناك ركبنا جميعاّ الترام من ميدان العباسية
مروراّ بمحطات عبده باشا وأحمد سعيد ثم ميدان الجيش وتعمدت أن ألفت نظرهم الى
مدرستى الثانوية هناك مدرسة خليل أغا ثم محطة القسم ثم محطة باب الشعرية
وهناك أيضاّ أخبرتهم بأن مدرستى الاعدادية كانت هناك ثم محطة شارع بور سعيد حيث نزلنا
وأخذنا نسير لمسافة ثلاثين مترا تقريباّ قبل أن ندخل الى حارة زويلة
ومروراّ بالكنيسة ذات البوابة الحديدية الكبيرة انعطفنا يميناّ ويساراّ مع انعطاف الحارة
حتى خرجنا من حارة زويلة الى حارة اليهود حيث لاحت مدرسة العدوى على يسارنا.
أخبرتهم انها كانت مدرستى فقط لعامين فى المرحلة الأبتدائية
ولكنى كنت قد ذهبت قبل ذلك الى مدرسة أجمل بكثير من قبل!
كنت أخجل من المبانى المتهالكة والطريق المترب الغير ممهد
إلا أنهم لم يهتموا بذلك
فرغم أن ضياء وصفاء كانتا تسكنان فى حى مصر الجديدة الراقى
إلا أنهما أعجبنا بالمشاهد والتى بدت لهم تاريخية او أثرية سواء فى حارة زويلة او حارة اليهود!!
وعند نهاية السور الجانبى لمدرسة العدوى تمالكت شجاعتى وبدلاّ من ان أنحرف لليمين
حيث طريق عودتى اليومى للبيت أنحرفت يساراّ الى سور المدرسة الرئيسى
حيث البوابة وأمامها المبنى ذو نجمة المثلثين كما كنت أطلق عليها قديما
أما الأن فهى نجمة النبى داوود, كنت قد ظللت لفترة طويلة لا أستطيع ان اتقبل أن
هذة النجمة نجمة النبى داوود وأن اسم بلاد العدو اسرائيل هو نفسه اسم النبى يعقوب
وبالطبع كما كان الأستاذ عبد السميع يقول لنا أثناء حصص الدين فى مدرسة العدوى
أن الأيمان هو أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسوله
وبالطبع كان داوود وأيضاّ يعقوب من رسل الله.
توجهت نحو المبنى لأجد عم محمد الأسمر جالسا هناك على كرسية الخشبى
أمام البوابة كعادته يقرأ جريدة الأهرام ويشرب كوب شاى غامق اللون,
)السلام عليكم ازيك يا عم محمد -
وعليكم السلام أى خدمة يابنى ؟
أنا سيد أنا كنت تلميذ فى المدرسة دى من حوالى عشر سنين
والنهاردة انا ومجموعة من الطلبة زملائى فى كلية الأداب جامعة عين شمس جئنا هنا
لعمل بحث عن التراث اليهودى وبالطبع انا كنت اتذكر المبنى دة منذ زمن وأيضاّ انت ياعم محمد,
انت حارس هنا لمدة طويلة(
ابتسم الرجل ابتسامة هادئة جميلة
وطوى الجريدة ووضعها على السور الرخامى ونهض من على كرسيه
يمسك بذيل جلبابه بنى اللون وقال) أهلاّ وسهلاّ بكم هل معكم تصريح ؟
تصريح لماذا ! لماذا ومن أين ؟
قال عم محمد )دخول المكان يستلزم تصريح من وزارة الثقافة
ويبدوا أنكم لم تعرفوا ذلك ,على كل سأفتح لكم الباب الخارجى حيث يمكنكم ان تروا
معظم ما بالداخل من مكانكم دون الدخول فذلك يعرضنى للمسئولية(
وبالفعل فتح البوابة الخارجية فى واجهة المبنى الرخامى الذى كان يشبه لون الجبن النستو
وبدأ عم محمد يشرح لنا )هذا المكان هو مقام الطبيب موسى بن ميمون وهو من حكماء
وأطباء اليهود فى مصر بل كان أشهرهم وذلك فى عهد الدولة الأيوبية وقد كان نفسه الطبيب الشخصى
للقائد العربى صلاح الدين الأيوبى وقد تقلب عدة مناصب فى الدولة انذاك(
بدا لى وكأن عقدة مخيفة مريبة قد تبدت فى حياتى حينما فتح عم محمد الباب
فبينما كان يضع المفتاح فى البوابة ازدادت دقات قلبى
منتظرا اللحظة التى كنت أهرب منها منذ سنوات !!
فتح عم محمد البوابة ولم يكن هناك أثر لأم جرجس!!
على العكس كان للمبنى سقف يتيح لضوء الشمس أن يشمل كل المكان
الذى كان عبارة عن ردهة واسعة مربعة الشكل مزينة بالرخام على الجدران
وبعض النقوش والكلمات باللغة العبرية, وتناثرت نجمة داوود على الجدران هنا وهناك
وكان هناك مذبح كما وصفه عم محمد حيث ان هذا المذبح ضرورى لمعظم الطقوس الدينية
فى الديانة اليهودية ,كان المذبح من الرخام ووضع على حافتيه اثنين من الشمعدان
صنعا أيضاّ من الرخام الأبيض او ربما من الألبستر!
وفى نهاية الردهة المربعة كان هناك مقام لقبر الطبيب موسى ابن ميمون
وكان هناك باب داخلى لما سألنا عم محمد عنه قال هذة غرفة داخلية
كانت ايضاّ تستعمل فى بعض الطقوس الدينية.
كان هشام وضياء يكتبان الحديث بينما توليت أنا توجيه معظم الأسئلة لعم محمد
بينما خلع أسامة نظارته الريبان الخضراء وأخذ يصور بالكاميرا مشاهد خارجية للمبنى
حيث منعه عم محمد من التصوير من الداخل فهو ممنوع كما قال لنا.
وكما شعرت بالراحة لأن خوف السنين الطوال بأن تكون ام جرجس مختبئة هناك كان قد تبدد
فأنى ايضاّ شعرت بنوع أخر من الراحة فالطبيب موسى بن ميمون كان رجل دولة
فى حكومة صلاح الدين أعظم قائد عربى!
اذاّ لم يكن أبى فقط هو الذى يمدح تجار اليهود فى حارة اليهود!
يا الهى ماذا حدث?
ولم كل هذة الدماء تراق كل فترة وأخرى?
ماذا حدث لتصير الحياة مستحيلة بيننا لنتعايش سوياّ?
ياليت صلاح الدين لم يذهب!
ما الذى حدث?
شكرنا عم محمد وطلبنا منه ان يرشدنا الى مكان أخر
نستطيع أن نجمع فيه معلومات لبحثنا
وعلى الفور قال عم محمد عليكم ان تذهبوا الى قدش اليهود!!
لقد سمعت هذة الكلمة من قبل
نعم انه المكان خلف الحارة المسدودة
التى كنا نلعب فيها انا وابراهيم والصبيا الأخرين الكرة تحت بيتهم,
لكن كيف نذهب الى هناك ?
كانت حارة اليهود متشعبة ورغم مرور السنوات الطوال بها لم اكن اعلم بعد كل مكان فيها,
وصف لنا عم محمد الطريق
)عليكم ان تسيروا الى الحارة وقبل وصول درب النصير عليكم بالأنحراف يميناّ
ثم السير قليلاّ وبعدها مرة أخرى الى اليمين وهناك ستجدوا قدش اليهود(
لم أعلم ماذا كانت كلمة قدش تعنى ؟
لم تكن عربية ولم يكن لها اى معنى,
ربما كانت تشير الى مكان ما يسكن او كان يسكن فيه اليهود!
شكرنا عم محمد الذى ودعنا بابتسامته الهادئة الجميلة
وسرنا نحو قدش اليهود ولم تمض سوى دقائق قليلة حتى كنا وصلنا الى هناك.
كان المبنى من طابقين, مستدير على شكل نصف دائرة به عدة حجرات فى الطابق الأول
وحجرات أخرى فى الطابق الثانى و بدا وكأن كلمة قدش ربما كانت تعنى
مجمع الحجرات أو شىء مثل هذا.
وضح الفقر على كل شىء هناك الى انه على عكس حارة زويلة
لم تكن توجد اى رموز دينية هناك
وبدأ ايضاّ ان معظم من رأيناهم من سكان الحجرات لم يكونوا يهودا
بل مصريين من الطبقة الفقيرة !!
وضحت علامات الفقر على ملابسهم
وعلى الأطفال الصغيرة شبه العرايا الذين كانوا يلعبون أمام القدش.
سألنا أحدى النساء والتى كانت تنشر الملابس المغسولة على بعض الأحبال القديمة
والمعدة لذلك فى الفناء والذى يتوسط المبنى,
سألناها عن اليهود الذين لايزالوا يسكونوا هنا فقالت لم يعد هناك الا ثلاثة نساء مسنات
يسكن فى الدور الثانى,
صعدنا للطابق الثانى
وطرقنا على أحد ابواب الحجرات الصغيرة,
جاءنا الصوت من الداخل) مين?
ردت ضياء نحن طلاب من جامعة عين شمس ونريد أن نجرى حديث معك,
جاء الصوت من الداخل أنتظروا, مرت دقيقة او أقل قبل أن تفتح لنا الباب امرأة
بيضاء البشرة فى الستينات من عمرها تلبس جلباب صيفى لونه أزرق فاتح
كان لونه يشبه الى حد كبير لون علم دولة اسرائيل!
كان الجلباب ذو حمالات يكشف عن ذراعيها الممتلئتين
وكان وجهها أبيض مائل للحمرة وشعرها مصبوغ بلون الحنة, بنى مائل للحمرة ,
قالت لنا أهلا وسهلا!
وكالعرف فى الأحياء الشعبية فى مصر, بدأت ضياء وصفاء –البنات- الحديث معها
بينما تراجعت انا وهشام وأسامة عدة خطوات للخلف.
أستغرق الأمر دقائق قليلة قبل ان تطمئن راشيل -هكذا كان أسمها كما أخبرتنا-
تشربوا شاى
شكرناها وأعتذرنا لضيق الوقت
وأستطردت ضياء تسألها عن أصلها,
قالت المرأة بلهجة مصرية لا شك فى أصليتها
)انا من طنطا ,ولدت هناك وعشت أجمل أيام حياتى ما بين طنطا وهنا فى حارة اليهود,
لقد كانت تلك الحارة مليئة باليهود وكنا نعيش مع المسلمين جنباّ بجنب,
يعمل الرجال سوياّ فى الصياغة والحلى والمنىفاتورة, بينما كنا نحن النساء نتسابق فى
اعداد أجمل الأكلات المصرية; محشى, ملوخية, صنية بطاطس, بقلاوة, كنافة,
ثم نأكل سوياّ ونتبادل الحديث أثناء غسيل الملابس وتنظيف البيوت
وفى الأجازات كنا نخرج للحدائق سوياّ نحتفل بالعيد سواء كان العيد عيد مسلمين
او يهود او مسيحيين. كان يجمعنا الحب والجيرة فى وطن واحد أحببناه
الى ان الله يجازى اللى كان السبب!!
وسألتها ضياء ومن هو الذى كان السبب فى رأيك ؟
انخفضت وتيرة صوت راشيل وتحفظت فى حديثها
بينما أخذت عينيها تزوغان يميناّ ويساراّ خشية ان يكون هناك من يسمعنا,
وأستطردت تقول )بعد قيام الثورة فى مصر, عدة أعوام بعد اعلان دولة اسرائيل,
بدأت الامور تتجه الى الأسوء ففى البداية لم تتأثر علاقاتنا الطيبة مع الجيران ,
ولم يكن ما يدور فى فلسطين يعكر صفو حياتنا العادية هنا
الى ان الدسائس والأصوات المحرضة ضدنا بدأت تعلو فى كل مكان
فما كان من سكان حارة اليهود الا ان سارعوا بالرحيل خارج البلاد,
البعض باع ممتلكاته من عمارات ومحلات بأرخص الأثمان لضيق الزمن
والبعض ترك متاجره لعماله الذين كانوا يعملون عنده أملاّ ان تتحسن الامور
وتعود الأوضاع لطبيعتها يوما ما فيتمكن من العودة وأستردادها ثانية او مرة أخرى,
لقد رحلت أبنتى الوحيدة وأستقرت فى اسرائيل
وهى ترسل لى الرسائل وتخاطبنى فى التليفون,
احياناّ تدعونى ان اسافر وألحق بها.
وسألتها ضياء ولم لم تفعلى ذلك?
ترقرقت الدموع فى عين راشيل
لا انا مصرية, ولدت وترعرعت فى هذا البلد, هنا عشت مع والديا وأهلى وجيرانى,
هنا عشت قصة حب عمرى وتزوجت وأنجبت أبنتى,
هنا بلدى ولن أترك بلدى حتى الموت
اهتزينا جميعاّ لكلمات راشيل
وأنسابت الدموع على خد ضياء وقالت نعم هذة هى بلدك وبلدنا كلنا
ولا يستطيع اى أحد ان يرغمك على تركها
( واصلت راشيل الحديث )
ذكريات عمرى الجميلة هنا, فى طنطا كان أبى يأخذنا لمولد السيد البدوى
ويشترى لنا الحمص والحلاوة ونطوف فى المولد لنرى الرقص ونسمع الأغانى الجميلة
ثم نركب المراجيح ونلعب الألعاب المختلفة من رمى الطوق والرماية بالبندقية الرش
وعند العودة يشترى لى ابى عروسة من الحلوى مزرقشة بالألوان المختلفة,
ورق أحمر وأصفر و أخضر,
كنا نعيش فى زمن جميل لم يكن أحد يأبه للدين او المذهب
بل كان الكل يعيش حياة بسيطة فى وطن يحب أفراده بعضهم البعض,
ألم تسمع أغنية محمد فوزى القديمة ؟
أى أغنية ؟ محمد فوزى -دة قديم خالص لكن التلفاز يبث افلامه احياناّ- أى اغنية تعنى سألتها ضياء,
واصلت المرأه ,والتى بدأت هادئة ومستمتعة بأسترجاع ذكريات الماضى, حديثها )
كانت الأغنية تقول فاطمة وماريكا وراشيل دول التلاتة فى قلبى كوكتيل
( سارعت صفاء )نعم نعم, سمعتها من قبل
( وأستطردت راشيل تقول )هكذا كانت مصر, مثل محمد فوزى وكنا نحن فيها نعيش تماماّ كالكوكتيل
( سألتها ضياء عن أمنيتها الان فقالت )لا شىء, لقد عشت حياة جميلة وأتمنى ان
تنتهى بهدوء وسلام وأن ادفن فى مدافن أسرتى بطنطا
سألناها عن الإمرأتين الأخريتين فأخبرتنا انهما فى الخارج الأن ربما للتسوق او اى شأن أخر,
ولم نتمكن من لقائهما والحديث معهما ولكن ودعنا راشيل, بل وحضنتها ضياء وصفاء,
كان المشهد مؤثرا, ذابت معه أى قيود لدين او جنس او عنصرية.
تركنا قدش اليهود ومررنا من امام بيتنا على ناصية حارة اليهود
وأخذ أسامة عدة صور له وللمبنى المقابل حيث كانت رسومات نجمة داوود
لاتزال واضحة على جدران المبنى الخارجية
ومن حارة اليهود خرجنا الى شارع الموسكى ثم الى ميدان الحسين
وجلسنا هناك على مقهى الفيشاوى الأثرى
شربنا شاى بالنعناع بينما تقاسمت انا وهشام شيشة بنكهة التفاح
وأخذنا نتبادل الحوار عن حديثنا الشيق مع عم محمد ومع راشيل
بينما أمتد بصرنا للأفق البعيد وسط الزحام;
مسجد الحسين والجامع الأزهر,
هنا كانت تدور أحداث ثلاثية محفوظ الشهيرة بين القصرين, قصر الشوق والسكرية…
لعل السمة المميزة لهذة الفترة كانت اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى فى الاراضى المحتلة
وبالطبع كنا نرى فى التلفاز والجرائد اليومية صور وأخبار سريعة ومتلاحقة عن أطفال الحجارة
وتعبيرهم عن غضبهم للأحتلال الأسرائيلى لأراضيهم, بلا ادنى شك كان التعاطف كبير معهم
واندلعت المظاهرات فى كل الجامعات مساندة ومؤيدة لهم ومنددة بالأحتلال الأسرائيلى.
لقد كان الشىء الأكبر الذى جعلنى أحترم هذة الأنتفاضة هو ان الأطفال بل والكبار أيضاّ
حملوا الحجارة والحجارة فقط ليعلنوا غضبهم, لم تكن الحجارة بالطبع كافية لهم
لكى تفجر الدبابات وطائرات الهليكوبتر الاسرائيلية ولكن الرمز كان كبيراّ
خاصة وانه جاء من الأرض والتى كنت ومازلت أعتقد بأنها الحق الوحيد الذى لا ينكر,
فلا ارض اغتصبت من مالكيها الشرعيين كان لها ان تزدهر او تطرح غير الغضب حتى تعود لمالكيها.
هذا تماماّ ما أمن به يهود العالم وما أعطاهم القوة ومكنهم من ان يعودوا الى أرض الميعاد
الا ان وكما أخبرنى صديقى أساف فيما بعد عن القصة التى كان يحكيها له ابوه وهى ان
الشيطان طلب من الرب ان يخلق عين الأنسان أكبر من معدته,
فقد كبرت رقعة الأرض فى عين الأسرائيليين بعد ان كتب لهم ان يعودوا الى ارض الميعاد
وأمتلأت المعدة بما هو ليس لها وكان للقدر ان يسطر صفحة جديدة من المعاناه والألم,
كانت بالأمس يهودية واليوم هى فلسطينية ولا يدرى أحد لمن تكون فى الغد!
كانت الحجارة قادرة ان تعيد الحق لأصحابها, هكذا كنت أعتقد,
او معذرة هكذا ما صرت فى ما بعد أعتقد,
فقبل ذلك كانت عبارة ان ما أخذ بالقوة لا يسترد الا بالقوة, عبارة ناصر,
كانت هى حقيقة ما كنت أعتقد او ربما هذة هى الحقيقة
ولكن السنين فيما بعد علمتنى ان القوة ليس من الضرورى ان تكون قوة الأباتشى والباتريوت
بل انه من المؤكد ان القوة يجب أن تكون قوة الحق والحجة والعدالة,
قوة نلسون مانديلا, مناضلا وسجينا لاّكتر من ثمانى وعشرين عاماّ فى السجون
ليخرج ويكون أول رئيس لبلده الحرة المستقلة.
كان الحجر الصغير فى يد الطفل الفلسطينى,
كان من الممكن ان يكون نواة منديلا فلسطين ,
لقد استهانوا بالحجر من أغلقوا قلوبهم وبصيرتهم,
لقد أستهانوا بالحجر من لم يعرفوا حقيقة ماهية القوة
ورضوا ان يكونوا من اتباع ابى اواتباع صادق اليمانى!!
تلاحقت الأحداث فى الأرض المحتلة
ومرة أخرى تلاشت فى الأفق أبتسامة السادات وهو يصافح
مناحم بيجين ,وبدأ شبح ام جرجس والغارة الليلية يعودان من جديد
وفى الصف الرابع او العام الأخير فى الجامعة بدأت عدة أحداث جسام تتلاحق فى حياتى,
لقد بدأت الشيوعية تنهار فى شرق اوربا وذلك بعد موجة البروسترويكا والجلسنوست
و بدأت الانظمة الشيوعية تنهار فى بلد تلو الأخر وكان ذاك قد تزامن تماماّ مع اتخاذ قراراّ
بأنهاء علاقتى بالحزب الشيوعى المصرى بل وبتلك الايديولوجية للأبد ,
ذلك بعد ان كتبت مقال وقدمته لمصطفى فى احدى الامسيات
حيث كنا التقينا على مقهى ام كلثوم فى شارع الجلاء بالقرب من ميدان رمسيس
رفيق مصطفى لقد سعدت وتعلمت الكثير من الكتب التى اعرتنى اياها
ولكن اليوم لم يعد كالأمس
ارجوك ان تقرأ مقالى هذا وتتفهم شعورى وأفكارى.
و بدأ مصطفى
بوجهه الأبيض البارد الخالى من الانفعالات
وقد جاء بهيئته المعتادة قميص ابيض نصف كم مكوى ونظيف وبنطلون صوف كحلى ازرق غامق,
بقراءة مقالى والذى فيه كنت عبرت عن احترامى المتواصل للأفكار الشيوعية,
تعالى صوت المذياع فى المقهى والذى كان يذيع أغانى أم كلثوم سيدة الغناء العربى فقط
لذا عرف بمقهى أم كلثوم, جاء صوت الأغنية معبراّ ومناسباّ وفى تناغم رائع مع الموسيقى الجميلة
…وعايزنا نرجع زى زمان قول للزمان ارجع يا زمان..
واصل مصطفى قراءة مقالى دون أن تظهر أى ملامح على وجهه
) ان الأفكار الأيديولوجية الشيوعية والتى رغم أصالتها وشفافيتها قد بدا إستحالة ان تنفذ
تطبق على البشر فى اى مكان, هذا ما يجب على الكل أن يعترف به ,
البشر يعيشون الطبقية والتميز بطبيعتهم!! (
هكذا كتبت فى مقالى,
طوى مصطفى الورقة وأخذ ينظر نظرة سرحان لثوانى معدودة ثم تنبه لوجودى بجواره
ناولنى الورقة وقال )رفيق سيد, ان ما يجرى فى العالم الأن هو زوبعة فى فنجان ولن تستمر طويلاّ ,
ستندم رومانيا والمجر وبلغاريا وكل الدول التى تعلن تنصلها من الشيوعية الأن ,
ستندم على فعلتها وستعود بلا شك يوم ما لحظيرة الشيوعية ,
فكما قرأنا وتعلمنا فى رأس المال لكارل ماركس
ان الرأسمالية العالمية حتماّ ستنقرض يوما ما وسيعم النظام الشيوعي كل البشر.(
شكرت مصطفى وودعته وودعت الشيوعية الى الأبد.
أثناء عودتى من الجامعة فى أحد الأيام وفقط قبل شهرين من الأمتحانات نهاية العام
وجدت كل عائلة الشريف مجتمعة فى مكتب أبى, كان عمى رمضان غضبان ,
يضرب بقبضته على مكتب أبى ويقول
)لا ,لابد من تلقين عائلة ابو شوشة درس لا ينسوه, ليس لهم أن يتجرأوا علينا
ونحن اسياد هذة الحارة (
السلام عليكم حييتهم وشرعت ان اصعد السلم كعادتى,
أستوقفنى عمى رمضان ) أنتظر يا سيد أسمع أنت لست صغيراّ بعد
لقد تجرأت عائلة ابو شوشة علينا حتى أن عبده أبو شوشة قد سب الحاج عبد القادر
زوج عمتك نوال على مرأى من الحارة هذة مسألة كرامة ولا بد من تلقينهم درس, أتفهم ما أقول(
أخذتنى الحماسة وأجبت على الفور أنا لها ماذا تريدنى ان افعل وسأنفذ على الفور
قال أتبعنى على وكالتى التجارية وعلى الفور ذهبت معه الى وكالته التى كانت فى شارع الموسكى
على منطقة سوق السمك المواجه لحارة اليهود
وهناك كان ينتظر ولديه ناصر الذى كان يكبرنى بعدة أعوام ونبيل الذى كان يكبرنى بشهور قليلة
وكان قد ألتحق بكلية الحقوق فى جامعة القاهرة, ذهبنا جميعاّ الى مكتبه داخل الوكالة
حيث أخرج مسدس أعطاه لنبيل وسيف أعطاه لناصر وأعطانى أنا سكين كبير كان يعلوه الصدأ
ثم قال) بعد ساعة او ما يقارب هذا سيمر من هنا عبده ابو شوشة وسمير أبو شوشة
ابن عمه قادمين من بيتهم فى حى الزيتون وبعد ان يركنوا سيارتهم فى شارع الأزهر
سيسيرون كالعادة خلال سوق السمك وهنا امام وكالتنا قبل ان يخرجوا من سوق السمك الضيق
والذى تراصت محلات الجلاليب على جانبيه الى شارع الموسكى ثم يدخلوا حارة اليهود,
عليكم ان تلقوهم درسا لا ينسوه وان تعلموهم من هى عائلة الشريف(
سمعت التعليمات ثم ذهبت الى وكالتنا, اخرجت من أحد المخازن صندوق زجاجات مياة غازية
كان مملواً من قبل بمياه النار كما كنا نطلق عليها و هى مادة سائلة حارقه ,
وكان ذلك الصندوق أحد معدات السلاح لصراعات السوق او الشارع فى حارة اليهود وكل المنطقة
والتى عادة ما كانت تنشب من الحين للأخر.
اعددت الصندوق فى مدخل البيت وفى ركن مظلم عند بير السلم الذى يصعد لشقتنا فى الطابق الأعلى
ثم عدت بعد ذلك الى وكالة عمى رمضان وجلست هناك مع اولاد عمى ناصر و نبيل
بينما خبأنا اسلحتنا فى أحد ارفف البضاعة والتى كانت قد تحولت من المانىفاتورة
الى اكسسوارات حريمى لتزيين الشعر والمجوهرات التقليدية وخلافه مثلها مثل معظم
محلات حارة اليهود, فلم يعد أحد يشترى مانىفاتورة او اقمشة وانما اتجه معظم الناس لشراء
الملابس الجاهزة دون المعاناه فى شراء اقمشة والذهاب للخياطين الى اخره..
وكانت التجارة الجديدة تجارة الأكسسوارات قد ازدهرت حينما بدء عمى مختار الشريف
وشريكه سمير الشابورى وزوج عمتى فاتن أصغر العمات بالسفر لشراء البضائع,
تلك المرة لم تكن سوريا ولبنان كما اعتادوا على السفر قديماّ مع ابي وأخرين,
وانما هذة المرة كانت الوجهة هونج كونج, تايوان والصين وذلك لاستيراد تلك الأكسسوارات
والتى ما برحت ان جاءت بأرباح عظيمة.
وكانت تلك الأزمة بين عائلات حارة اليهود قد اندلعت عندما شب خلاف كبير بين سمير الشابورى
وزوجته عمتى فاتن وتطور الأمر لتدافع عائلة الشريف عن فاتن بشراسة
بينما انبرمت عائلة الشابورى وأصهارهم عائلة ابو شوشة فى الأنحياز لسمير الشابورى
الى ان تطورت الأمور الى محاضر فى أقسام الشرطة وتبادل الاهانات
حتى كانت الاهانة الاخيرة التى وجها عبده ابو شوشة الذى كان اخاً أصغر لمحمد ابو شوشة ,
كان فى اوائل الثلاثينات من عمره طويل وعريض قوى البنية مثل لاعبى كمال الاجسام
ابيض البشرة, امتد الصلع لمعظم شعره ولم يبقى الا شعيرات قليلة على جانبى رأسة,
كان يلبس البنطلون ضيق وقميص –مانتجو- نصف كم كما كانوا يطلقوا عليها
حيث كان -موضة -فى ذلك الوقت وهو عبارة عن قميص ذو ألوان مختلفة خفيف ناعم الملمس
به فتحات دقيقة كمسام البشرة فكان خير ما يلبس فى حر صيف القاهرة الشديد,
كان عبده ابو شوشة وكما أخبرنى نبيل ابن عمى حين كنا نجلس سوياّ انذاك
قد تهجم على محل عمتى نوال وأخذ يسب زوجها عبد القادر حيث قال له )يا بواب يا وضيع! (
مضت حوالى ساعتين تناولنا فيها, نبيل وناصر وانا ,سندوتشات القشطة بالعسل
والسجق المطبوخ من محل رضا عويس بائع السندوتشات والذى كان له دكان صغير
فى احدى الممرات فى شارع الموسكى وكان يجاوره مقهى اخوه الأكبر أحمد عويس,
ثم شربنا عصير الليمون الطبيعى من عند خليل بائع عصير الليمون الذى كان له عربة متجولة لبيع عصير الليمون فى سوق السمك .وبعد دقائق من انطلاق اذان صلاة الظهر من مسجد الزنكلونى الصغير
فى سوق السمك, لمح ناصر عبده وسمير ابو شوشة يقتربان من منتصف الشارع ويتجهان كالعادة
نحو أخر سوق السمك تمهيداّ لدخول حارة اليهود, نهض ناصر وأستل سيفه ثم توجه بخطوات سريعة
نحو سمير ابو شوشة والذى كان نحيف وطويل القامة مصفف الشعر على الجنب فباغته بضربة
ببطن السيف على جبهته, حينئذاخذت انا سكينتى وتوجهت نحو عبده ابو شوشة ضخم الجثة
اقف يا ابن ….
اخذت اسبه واسب كل عائلة ابو شوشة
ثم اخذت اضربه ببطن السكين بل واحياناّ بالحد الذى علاه الصدأ فى كل مكان كنت أستطيع الوصول اليه,
فى جبهته على خده, فى زراعه على صدره وبطنه…
كانت ضربتين او ثلاثة ضربات من ناصر كافية لان يسقط سمير ابو شوشة
على الأرض مضرجاّ فى الدماء وبينما كان نبيل يحمل المسدس ويقف فى وسط العراك
لا يجد شيئاّ ما يفعله كنت انا اواصل الضرب فى عبده قوى البنيان و الذى احتاج لعشرات الضربات
كى يختل توازنه, كان ينظر يميناّ ويساراّ بسرعة محاولاّ التقاط اى شىء يدافع به عن نفسه ,
ولكن ضرباتى الهيستيرية لم تمكنه حتى من التقاط انفاسه.
صرخ نبيل كفاية كفاية توقف ستقتله توقف
كنت أضربه دون شعور بندم او تراجع فقد كان أخطأ وسب عائلتى
وكان عليه ان يدفع ثمن غلطته, كنت مغيب الوعى فى حالة لا عادية,
لم اكن أرى قسوة ضربات السكين فى يدى تهوى على جسد انسان
وانما كنت اتخيل عقاب الهى كان حتماّ عليه ان يحل بظالم فيلقنه درساّ لا ينساه
فلا يعود لظلمه ثانية ابداّ.
جرى عبده وسمير ابو شوشة الى داخل حارة اليهود, جاء سمير الذى كان الدم ينذف من رأسه
بمسدس من متجره بينما خرج ابن عمه سيد ابو شوشة واخو عبده من محله
وبيده عصا غليظة طويلة وضخمة, تقدمت انا وناصر نحو حارة اليهود خلفهما
وهناك وامام وكالتنا كان سمير قد عاد ومعه مسدسه واخذ يصوب بهيستيريا عدة طلقات
كان اقربها قد احدث ثقبا فى حائط المحل المجاور, تماماّ فوق رأسى حين كنت أقف !
وحينها جاء سيد ابو شوشة بعصاه من جانبى وباغتنى بضربة قوية على رأسى
هبطت علي وكأنها حجر من احجار الأهرامات الجرانيت فشعرت بدوار شديد,
القيت السكينة فى اتجاهه فتراجع للخلف قليلاّ كى يفاديها مما اعطانى المساحة القليلة
لأن انحرف لليمين وادخل الى وكالتنا التجارية,
افرغ سمير ابو شوشة طلقات مسدسه وعاد الى متجره ليضع طلقات جديدة
بينما تراجع نبيل وناصر الى خارج حارة اليهود وفى شارع الموسكى امام متجرهما
بينما وجدها سيد ابو شوشة فرصة سانحة فدخل خلفى الى وكالتنا حاملاّ عصاته الغليظة
فى حالة من الزهو بالضربة القاسية على رأسى
فشرع يضرب مرة اخرى على زجاج احدى فاترينات العرض فى المتجر
ثم استدار على زجاج فاترينه اخرى قبل ان يواجه قازفات زجاجات مياه النار العابرة للحارات!!
والتى هرعت اليها وألم الضربه على رأسى يمزقنى,
حملت زجاجتين فى يدى من الصندوق الذى قد كنت اعددته من قبل ووجهتهما الى سيد ابو شوشة,
علت احداهما رأسه وذهبت خارج الوكالة بينما اصطدمت الاخرى برأسه
وسال محتواها على وجهه
صرخ بشدة,
القى بالعصا الغليظة,
أخذ يفرك عينيه بيديه الا ان السائل الحار اخذ يؤلمه بشدة فصار يصرخ بصوت أعلى
وجرى لخارج الوكالة عائداّ الى متجره,
حملت انا باقى الصندوق وصعدت على سلالم العمارة بسرعة شديدة
حتى وصلت الى شقتنا ومنها وعلى السلم الداخلى الى سطح العمارة
حيث اخذت اوجه الاثتنين وعشرين زجاجة المتبقية من أعلى السطح نحو داخل حارة اليهود
وفى اتجاه متاجر ونزل عائلة ابو شوشة واقاربهم موجهاّ اليهم الشتائم والسباب
ها نحن يا اشباه الرجال لقد اذلناكم
وتلك عبره لكل من تسول له نفسه بالتعدى على عائلة الشريف
وتطايرت الزجاجات من اعلى السطح فى كل اتجاهات حارة اليهود
حيث أغلقت كل المتاجر وهرع الجميع الى اماكن حماية او الى خارج الحارة ,
اختفى سيد وسمير ابو شوشة داخل الحارة
ولم يعد يسمع الا اصوات الزجاج المتطاير وصوتى الذى كان يرن فى ارجاء الحارة
مكيلاّ الشتائم والسباب لعائلة ابو شوشة
وبعد ان انتهت كل الزجاجات ولف حارة اليهود صمت رهيب ,
جاءت سيارات الشرطة والمباحث التابعة لقسم الجمالية
لتلقى القبض فوراّ او فيما بعد عن كل من شارك فى تلك المعركة وبالطبع علي انا ايضاّ
لنحال جميعاّ الى قسم شرطة الجمالية.
اسبوع كامل مر عليا وانا فى الحجز كان الوحيد الذى لم يحبس هو ابى
بينما تم القبض على عمى رمضان واولاده ناصر ونبيل وعلي
وكذلك على سيد وسمير وعبده ابو شوشة .
وفى الحجز تصالحنا وقررنا ان ننسى ما مضى كى لا يضيع مستقبل الكل,
كان الصلح هو المخرج الوحيد للكل على الرغم من ان القلوب لم تكن صافية لبعضها البعض,
كان اسبوعا قاسيا وحمدت الله انى استطعت ان اخرج قبل امتحانات العام النهائى فى الجامعة
ولم تنتهى الخلافات بين عائلات حارة اليهود ومن بينها عائلتى بالطبع
فقد كانت الحارة مسرحا لمعارك الشوارع, الأسلحة النارية والأسلحة البيضاء,
مواد كيماوية وقنابل مولوتوف فى بعض الأحيان!!
وكأن حارة اليهود قد تحولت لساحة معارك,
وكان سبب الخلافات والمشاجرات فى أغلب الأحوال هو البيوت القديمة المهجورة
والثروات المنتظرة اذا تم الأستيلاء عليها!!
انغمست فى الدراسة فلم يتبقى الا أيام قليلة قبل نهاية امتحانات العام الاخير
وكنت قد قاسيت نفسياّ من أسبوع السجن ومن قبله المعركة بالسكين والأسلحة .
صار الأمر كابوساّ جديداّ مخيفاّ ظل يلازمنى لفترات طويلة…
وفى محاولات البحث عن الصفاء النفسى فى تلك المرحلة اتجهت للعبادة والصلاة المنتظمة
سواء فى البيت او فى المساجد, كان كل شىء حولى يهيأنى لذلك خاصة وانى كنت هجرت
الشيوعية وبالتالى لم تعد مقولة الدين افيون الشعوب تأثر في بعمق
ثم جاءت أحداث الخلافات والمشاجرات حيث وجدت نفسى مهدداّ بأن افقد كل شىء حولى,
افقد مستقبلى ودراستى, وافقد حلمى القديم بالسفر.
وبعد ان هدأت الأمور وأستقرت الى حد كبير ,على الأقل فى تلك الفترة قبل امتحانات الجامعة,
كان علي ان اقدم الشكر الله وكانت الصلاة هى النواة الأساسية لذلك.
كان ابى يصلى صلاة الجمعة فى معظم الأحيان الا انه لم يكن يؤدى الصلاوات اليومية
بينما كانت امى تصلى من الحين للأخر حينما تجد بعض الوقت وسط رعاية الأطفال
والذين كانوا قد تموا ثمانية انذاك, انا ومن بعدى خمسة اخوات واخين!!
وامور البيت المختلفة من طبخ وغسيل ونظافة بالأضافة الى رعاية ابى بعد عودته قبل الفجر
كل يوم بعد ان يمضى وقت المزاج مع أصدقائه فى مكتبه.
وحينما قررت ان اؤدى الصلاوات فى اوقاتها وفى المسجد تصادف ذلك مع وجود أشرف
الذى كان يعمل فى وكالة ابى التجارية .
كان أشرف شاب ملتحى متوسط القامة ذو بشرة خمرية جميلة تدل على مسقط رأسه
فى صعيد مصر,
عينين سوداوتين كسواد الليل واسعتين لهما بريق خاص يجذب كل من ينظر اليهما,
ملابس بسيطة ولكن نظيفة ومهذبة
وكان مثالا للشاب الملتزم المحب والمخلص لدينه ,
كان يتحدث بأدب ورقة مع كل من حوله, لا يرفع عينه للنظر فى وجود اى بنت او امرأة ,
قليل الكلام ذو ابتسامة هادئة ووسيمة ,
ولما وجدنى أصلى يوماّ فى مسجد الزنكلونى القريب فى سوق السمك أقترب منى,
السلام عليكم ,
وعليكم السلام اجبته.
حمداً الله على سلامتك يا أخ سيد,
الله يسلمك يا شيخ أشرف ,هكذا كان العمال الأخرون فى الوكالة يخاطبونه
على الرغم من انه لم يتعدى الثالثة او الرابعة والعشرين من عمره!
لقد لاحظت منذ فترة مواظبتك على الصلاة فى المسجد كل الفروض,
ما شاء الله ونعم الأخلاق والسلوك الطيب…
شكراّ يا شيخ أشرف بارك الله فيك.
أنتهت المحادثة القصيرة وتعددت لقاءاتنا فى المسجد بعد كل صلاة, وفى أحد الأيام لم أجد أشرف
فى صلاة العصر كالعادة وبعد عودتى من المسجد كان هناك يعمل فى الوكالة
يجلس على أحد الكراسى يدون البضاعة الواردة والخارجة ويقوم بجرد المخازن.
كان عملاّ يقتدى الأمانة وكان أشرف أجدر من يقوم بذلك.. )
ايه يا شيخ أشرف لماذا لم تأتى لصلاة العصر ؟؟؟
سألته بأستنكار فجاءت ابتسامته الهادئة الوسيمة
لقد صليته فى جامع الشيخ بركات داخل حارة اليهود,
قد يكون الثواب أكبر اذا صليت فى مكان أبعد,
فكل خطوة تخطوها نحو المسجد تزيدك حسنة وأجراّ
( حسناّ هلا ذهبنا سوياّ لصلاة العشاء فى هذا المسجد, قلت له وأنا أحمر خجلاّ
لظنى السىء فيه بأن يكون لم يذهب الى المسجد وترك الصلاة وظل في العمل
وبالفعل عندما حل الظلام وفى الساعة الثامنة ألتقيت أشرف
وتمشينا سوياّ من الوكالة الى داخل حارة اليهود فمررنا بسوق الفراخ وسوق الخضار من بعده
حيث لاحت لنا حارة الجامع وهناك كان مسجد الشيخ بركات,
كان أوسع وأكبر من مسجد الزنكلونى فى سوق السمك,
به عدة نجفات تتدلى من السقف, ومنبر الخطيب أخضر عليه نقوش اسلامية جميلة,
وبعد أن فرغنا من الوضوء حيث غسلنا أيدينا ووجوهنا وأقدامنا تقدمنا للصلاة فى الصف الطويل
خلف امام المسجد, كان شابا ضريرا اسمه الشيخ كمال,
ذو صوت أجهش قوى, يرتدى زى الشيوخ المعتاد, جلباب فضفاض واسع كان لونه رمادى
وكذلك عمة على رأسة عبارة عن شال أبيض التف بعناية واحكام حول طربوش أحمر داكن اللون
وأرتفع صوته بقراءة القرأن فى ركعتين الجهر الأولتين فى صلاة العشاء
كان يرتل أيات من سورة المائدة لازلت اذكرها
بسم الله الرحمن الرحيم ( ان انزلنا التوراه فيها هدى ونور يحكم بيها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والاحبار بما أستحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشونى ولا تشتروا بأياتى ثمنآ قليلآ ومن لم يحكم بما أنزل الله أولاءك هم الكافرون ) صدق الله العظيم -----
انتهينا من صلاة العشاء ثم صلينا صلاة السنة فرادى, خمس ركعات أخرى وبعد ذلك
جلست فى المسجد أسبح, اى أذكر الله حيث كان ذلك هو ختم الصلاة كما كان علمنى أياه
أحد التجار المجاورين لوكالة أبى عندما كنت صغيرا مازلت اذهب لمدرسة العدوى,
وبعد أن فرغنا من صلاة العشاء أقدم شاب فى مثل عمرنا يرتدى الزى الأفغانى
من بنطلون واسع فضفاض وفوقه قميص طويل وكذلك غطاء رأس من نفس لون وخامة قماش الزى,
أقترب منا السلام عليكم,
وعليكم السلام يا شيخ على, رد أشرف ,
أعرفكم على بعض الأستاذ سيد الشريف فى السنة النهائية بليسانس الأداب,
الشيخ على محمد على أيضآ بالسنة النهائية بكلية الحقوق,
مد يده, صافحته ونظرت الى وجهه, لم تكن ملامحه جديدة علي,
بدا لى وكأننا تقابلنا من قبل,
ابتسم وهز رأسه )بتشبه علي?
قلت له نعم,
قال الا تتذكرنى?
لقد ذهبنا الى نفس المدرسة الأبتدائية , مدرسة العدوى ولكنى كنت أسبقك بعام,
كما أنى من التلاميذ القلائل الذين لم يكونوا يسكنوا فى حارة اليهود
وانما سكنى هو حارة زويلة.
تسمرت عيناى لهول المفاجأه ، حسنا لقدعرفته
لم يكن على سوى هذا الولد الشقى إبن الحداد فى حارة زويله
و الذى كان يتفنن فى ضرب التلاميذ الأخرين بحذائه المعلق فى كفيه!
يا إلاهى! ألم يكن يذهب ا لى حصة الأستاذ نصحى للدين المسيحى؟!
مع تلاميذ حارة زويله الأخرين؟
حقيقة أنا لم أراه أبدا ولكن هذا ما كنت اظنه به
و ما هذا؟! رداء أفغانى و لحية طويلة
و ماذا عن إسمه... على محمد على؟
و لكنه كان يجلس مع أبيه فى محل الحداد، و فى البيت الذى كانت تفوح منه رائحة القسيس.
تبادلنا الحديث فى بعض الأمور الدينيه وتواعدنا على اللقاء فى جامع
الشيخ بركات حين صلاة العشاء فى اليوم التالى
و تعددت اللقاءات و توطدت العلاقه بين ثلاثتنا فكنا نلتقى عند صلاة العشاء
و أحيانا حين صلاة العصر لنصلى خلف الشيخ كمال
و فى إحدى الأمسيات قال لى أشرف و بعد أن فرغنا من صلاة العشاء كعادتنا ؛
سأذهب مع على لزيارة أخ مريض ، أتحب أن تأتى معنا؟
لم أتردد فى قبول الدعوه فزيارة ا لمريض عمل خير
وبالفعل سرنا نحو مدرسة العدوى ثم حارة زويله
الى أن خرجنا إلى شارع بورسعيد ، واصلنا السير إلى ميدان باب الشعريه،
و هناك و بالقرب من مدرستى الإعداديه صعدنا الدرج فى بيت قديم
صعدنا إلى الطابق الثالث حيث كان فى إستقبالنا أخ للشخص المريض
كان يرتدى مثل على الزي الأفغاني ،
إستقبلنا و بادلنا التحية ، عليكم السلام و رحمة الله و بركاته،
إتفضلوا، دخلنا إلي البيت الذي كان قديماً و لكنه كان مرتباً و نظيفاً،
دخلنا إلي حجرة الضيوف حيث كانت هناك أريكة و اربع كراسي،
جلسنا نحن الثلاثه علي الكراسي المصطفة
و بعد قليل شاركنا الأخ الذي إستقبلنا الجلسة بعد أن أحضر لنا
أكواب عصير الليمون المثلج،
و أخذ أشرف يسأله عن أخيه المريض أسئلة عديدة حتي بدا و كأنه
طبيب جراح في إحدي المستشفيات الخاصة يسأل بعناية
عن حالة مريضه قبل أن يجري له جراحة في القلب
تبدو حساسة و خطيرة!
مرت دقائق أخري معدودة قبل أن يأتي الأخ المريض الذي دخل الغرفة بهدوء
و جلس علي الأريكة دون أن يتحدث بأي شئ!!
شاباً في أوائل الثلاثينات من عمره ذو لحية كثة و ملامح هادئة
و كان يرتدي لباساً افرنكياً عادياً علي عكس أخيه!
كان يبدو عليه نوع من الوجوم
و كأن وجودنا في بيته لم يكن يعني له أي شئ.
بادره أشرف بالحديث، حمداً لله علي سلامتك ،
منذ متي و أنت تشعر بتعب؟
أجابه خالد، هكذا كان إسمه، منذ أن عدت من رحلة عمل في السعودية،
إنشاء الله خيراً، قال أشرف ثم بادره هل لي أن أقرأ بعض أيات القرأن،
إندفع أخو خالد، و الذي كان قد سبق و عرفنا بأسمه ، إسماعيل ،
بالطبع بالطبع تفضل يا شيخ أشرف
قال خالد إقرأ ما شئت، لن تجدي قراءتك شيئاً
ثم استطرد من أقوي؟ أنت أم عبد الخالق العطار؟
أنت أم وحيد عبد السلام ؟
قال أشرف هم أستاذة كبار و لكن لن يضير شيئاً أن نسمع سوياً شيئاً من القرأن العظيم.
أقترب أشرف و جلس بجوار خالد وو ضع يده اليمني علي رأسه
ثم أخذ في تلاوة بعض أيات القرأن؛
بدأت عينيا أشرف في التغير و كأنه نفسه صار شخصاً أخر ذو ملامح أكثر جدية و صرامة،
واصل تلاوة أيات القرأن حتي فجأة صرخ خالد، لا أريد أن أسمع إبعد عني، قال أشرف، لماذا؟
هل تألمت لسماع أيات العذاب؟ ما أسمكِ؟ كان يوجه الخطاب لخالد بصيغة المؤنث!!
لم يجب خالد الذي أغمض عينيه لثواني و قطب جبهته ،
واصل أشرف القراءة و لكن هذه المرة بصوت أعلي، صرخ خالد مرة
أخري، أسكت ! أسكت و إلا ستؤذيك !! لم يأبه أشرف وواصل القراءة
"و الصافات صفاً فالزاجرات زاجراً فالتاليات زكراً، إن إلهكم لواحد، رب السموات و الأرض و ....
علا صراخ خالد و قال، لن تستطيع أن تفعل أي شئ معي أنت لست بأقوي من الأخرين،
إبتسم أشرف و أجاب حسناً سأتوقف عن التلاوة علي أن نتحدث سوياً، قال خالد، ماذا تريد؟
قال أشرف، بداية ما اسمكِ؟ أجاب خالد، لا عليك بإسمي ، أنا معه منذ زمن و لن أتركه!
وبدا صوت خالد كأنه يتغير عما قبل و صار صوته و كأنه صوت إمرأة عجوز !
نظرت إلي علي الذي بادلني نفس نظرة التعجب!!
ماذا يحدث؟! همس لي علي بصوت منخفض ،
يبدو أن الشيخ أشرف علي خبرة كبيرة في معالجة حالات لبس الجن!!
قلت له، ماذا تعني؟ الجن؟ المخلوقات الأخري و المخلوقة من النار؟
كانت هذه هي كل معلوماتي فيما سبق عن الجن وبأنهم و كما ورد في القرأن في مواطن عدة
لم يكونوا كالأنسان الذي خلق من تراب أو الملائكة الذين خلقوا من النور،
كما ورد أيضاً أنهم يستطيعون أن يروا الإنسان و الذي بدوره لا يستطيع رؤيتهم بالمثل.
و أيضاً ورد أن تلك المخلوقات قد سخرت للعمل و البناء في
ملك النبي سليمان بن داود عليهما السلام.
هذه الكائنات قدرة علي لبس جسد الإنسان و إلحاق الأذي به، قال لي علي.
و استطرد ، و أظن أن الشيخ أشرف يعرف كيف يتعامل مع الك الكائنات
بل و معالجة حالات لبسهم أو مسهم للإنسان عن طريق ترتيل بعض الأيات الخاصة
بذلك من القرأن الكريم. واصل الشيخ أشرف القراءة إلا أن صرخ خالد مجدداً،
سأتكلم سأتكلم ! قال أشرف، حسناً من أنتِ؟
أجاب خالد و بصوته الغريب، أنا يهودية و أنا ان أتركه أبداً !! سأل أشرف ، و لم الأذي؟
أنت بذلك تؤذينه.
قال خالد و الذي بدا ر كأنه في حالة سبات و أن هناك شخصاً أخر بالفعل يتحدث علي لسانه،
بل هو المؤذي! هو الذي لطم الولد اليهودي!! لطمه علي خده و ذلك أثناء عمله بالسعودية!!
و كان علي أن أعاقبه، كيف يفعل ذلك ؟!
همست في أذن علي، هل هناك يهود في السعودية؟!
أجابني، ربما و لم لا؟! ربما تلك بقية ممن كانوا يسكنوا من قبل
و يتخفون وسط العامة الأن دون أن يعلم احداً عنهم شيئاً!!
استمر الحديث المثير بين أشرف و خالد لقرابة الساعتين قبل أن ننصرف
و بالطبع بعد أن شرح أشرف أبعاد حالة خالد لأخيه إسماعيل.
و في اليوم التالي ذهبت و من الصباح الباكر لإحدي المكتبات في ميدان الحسين
و أشتريت كتابين عن الجن و كان إسم مؤلف احدهما هو نفس الإسم
الذي لفظ به خالد في الليلة السابقة ، وحيد عبد السلام بالي!!
و أخذت أقرأ في الكتابين عن الجان و عن دورهم في حالات اللبس و المس
و كذلك السحر و بدا الأمر لي كمغامرة أسطورية شيقة و مثيرة
فطلبت من أشرف أن يصطحبني معه عندما يذهب لمعالجة تلك الحالات.
و بالفعل ذهبت معه في عدة زيارات مماثلة و إن إختلفت الحالات
فتارة كان المريض إمرأة و تارة فتاة، شاب صغير أو رجل عجوز
و في كل مرة كان الحديث الشيق عن الجان المعتدي باللبس أو المس،
تارة جان من جبال الدروز و تارة من أوروبا ،
تارة يكون هدف الجن إيذاء المريض و تارة يلبس الجسد عشقاً لصاحبه،
و من خلال حضوري لتلك الجلسات علاوة علي قراءة الكتب المختصة
بدا الأمر بداخلي مشوشاً و راودني التردد ما بين تصديق تلك الظاهرة أو إنكارها،
إلا أن الحقيقة التي فرضت نفسها هي أن إدراكي و بصورة عملية
لوجود عوالم أخري و كذلك وجود مخلوقات مختلفة عن الجنس البشري
قد أحدث هزة بداخلي و بدأ ما تبقي من نظريات ماركس و لينين
من إنكار الإديان و الغيبيات ينهار بداخلي.
تعمقت علاقتي مع أشرف و علي وواصلنا الصلاة سوياً في المسجد
و كذلك الذهاب لجلسات معالجة الجن إلي أن جاء اليوم الذي سافر أشرف فيه
إلي الصعيد لزيارة أهله لعدة أيام و بعد صلاة العشاء حينها
دعوت علي لتناول العشاء سوياً في بيتي علي أن نمضي الوقت سوياً في حجرتي
لنتبادل الحديث و نقيم الليل بالسنن و نوافل العبادات
و من ثم نذهب لصلاة العشاء سوياً في المسجد،
و لبي علي الدعوة بالفعل و بعد أن فرغنا من الصلاة خلف الشيخ كمال
في مسجد القاضي بركات سرنا من حارة الجامع الي بيتي في سوق الصيارفة
ثم مررنا علي متجر أبي حيث كان العمال يقومون بإغلاق المحلات ،
صعدنا الدرج ، دخلنا غرفتي، طلبت من أمي أن تجهز لنا العشاء
و بالفعل و بعد دقائق قليلة كنا نلتهم البامية المطبوخة مع لحم الضأن و الأرز بالشعرية ،
و بعد العشاء تسامرنا الحديث و تطرقنا لموضوعات عديدة ،
تحدثنا عن أشرف الذي كنا نفتقده حيث سألت علي بدوري،
كيف يستطيع الشيخ أشرف و بالرغم من صغر سنه أن يعالج حالات لبس الجن ،
إن هذا لشئ عجيب، قال علي سأحكي لك ما علمته عن هذا الموضوع ،
و لكن هذا سر و عليك أن تحفظه و بعد أن وعدته بذلك إستطرد علي قائلاً ،
حينما أتي أشرف إلي القاهرة من بلدته في صعيد مصر سكن في حجرة صغيرة
مع قريب له في حي البساتين ، و لما كان أشرف قد تربي تربية دينية محافظة فقد كان
مواظباً علي أداء صلاة الجماعة في المساجد و كذلك علي إقامة الليل بالعبادات ،
و بعد مرور فترة علي إقامته مع قريبه بدأ يستكشف المنطقة المحيطة بمسكنه
و هنالك إكتشف أن مسكنه ليس ببعيد عن مسجد عمرو بن العاص ،
قاطعته، أعرفه أعرفه فقد كنت أسكن بالقرب منه حتي سن العاشرة ،
واصل علي حديثه، قرر أشرف أن يصلي صلاة العشاء كل ليلة في
مسجد عمرو بن العاص ، و صار يقيم الليل في المسجد بعد صلاة العشاء
و لساعات طوال إمتدت أحياناً حتي صلاة الفجر.
و في أحدي الليالي أتي أحد أقرباء أشرف من قريتهم و توجه لزيارة أشرف
و لما ذهب إلي الحجرة التي كان يسكنها مع قريبه الأخر لم يجده هناك
أخبره قريبه و شريكه في الحجرة بأنه ربما يجده في مسجد عمرو بن العاص
بمصر القديمة ، و عليها تو جه الرجل إلي المسجد حيث وجد أشرف
يصلي و يتعبد كما دأب علي ذلك ،
و كان أشرف قد أحب الصلاة في هذا المسجد و دأب علي قيام الليل
هناك في أغلب الليالي و قد حدث في إحدي تلك الليالي أن إقترب منه شيخ عجوز
ذو لحية بيضاء طولية و قامة معتدلة عفية لم تكن تتناسق مع لون شعره
الذي كان يشير الي شيخ في أرذل العمر،
بدأ الشيخ بالتحية، السلام عليكم و بادله أشرف التحية،
و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته،
إستطرد العجوز ، لقد لاحظت يا و لدي بأنك قد دأبت وواظبت
منذ فترة طويلة علي قيام الليل وأداء النوافل و السنن هنا في هذا المسجد
فكنت تصلي و تقرأ القرأن و الأدعية المختلفة لساعات طويلة،
نعم الشاب أنت بهذه التقوي و الإستقامة و في هذا السن الصغير ،
شكره أشرف و ما لبث أن نشأت بينهما صداقة
فصار العجوز يصلي كل ليلة بجوار أشرف أو جماعة معه
و كذلك يتعبدان سوياً في المسجد الذي كان يفرغ من زواره بعد صلاة العشاء
فلا يتبقي سواهما يتعبدان و يقيما الليل.
إحتسينا الشاي الساخن حين قاطعت علي متسائلاً ،
و ماذا عن قريب أشرف الذي جاء لزيارته؟
إبتسم علي و أخذ يعبث بلحيته غير المكتملة محاولاً تصفيفها ،
حسناً لقد ذهب الرجل إلي مسجد عمرو بن العاص حيث وجد أشرف هناك بالفعل
يصلي و يتعبد ، إقترب الرجل من أشرف و جلس خلفه حتي فرغ من صلاته،
ثم بادره بالتحية و تبادلا العناق، وأخذ أشرف يسأله عن أحوال والديه و أخبار قريتهم
و عن أهم المستجدات فيها ، و بدوره أخذ أشرف يحكي عن حياته في المدينة الكبيرة،
و عن الإختلاف الشديد بينها و بين ما سبق من إقامتهم في قريتهم الصغيرة بمحافظة المنيا
في صعيد مصر، و تطرق الحديث عن الرجل العجوز الذي تعرف عليه في المسجد
و صارا صديقين و كيف أنهما إعتادا علي الصلاة و العبادة في المسجد كل ليلة ،
و سأله قريبه، عجيب أمره و لما لم يأتي كعادته في تلك الليلة ؟
أندهش أشرف قائلاً، ألم تراه؟
لقد كان يصلي بجواري في المسجد حين جئت أنت منذ قليل!!
و أجاب الرجل، لم يكن في كل مسجد عمرو بن العاص حين دخلته سواك أنت،
لقد قمت بجولة في المسجد أثناء صلاتك و لم أري أي أحد هناك!!
لم يأبه علي لعلامات الدهشة و الإستغراب علي وجهي وواصل حديثه،
بعد إنقضاء تلك الليلة و بعد أن أمضي قريب أشرف معه يومين أطمئن فيهم علي أحواله
قبل أن يعود أدراجه لقريتهم، عاود أشرف للذهاب لمسجد عمرو بن العاص
ليلتقي العجوز بعد فترة إنقطاع عن اللقاء قاربت الإسبوع،
و بعد أن تبادلا التحية و شرعا في الصلاة سوياً قرر أشرف أن يحكي للعجوز كل الحكاية
و كيف أن قريبه الذي جاء للمسجد من عدة أيام لم يراه بل و حتي أنكر وجوده
في المسجد علي الإطلاق !!
و هنا فاجاءه العجوز، يا بني لا تعجب أنا لست من جنس البشر!!
و لكني من الجان المسلم! و لا يستطيع أحد من البشر أن يراني سواك!!!
كانت المفاجأة كبيرة علي أشرف إلا أنه صدقها علي الفور لأن الإيمان
بوجود الجان و الملائكة جزء لا يتجزأ من إيمان المسلم.
صار أشرف و العجوز صديقين و بعد فترة إنقضت وعد العجوز أشرف أن يعلمه الطرق المختلفة لعلاج البشر الذين يصابون بأزمات نفسية
نتيجة تعدي الجان الكافر أو العاص عليهم، و محاولته لبس أو مس جسدهم.
لا أنكر أن شعوراً بالرهبة انتابني ،
قلت لعلي، إذاً تلك هي القصة ؟!
يالها من قصة غريبة!!
إلا أنها لم تكن المرة الأولي التي سمعت فيها عن قصص الجان مع الإنسان فقد كانت الجرائد و المجلات تنشر من الحين للأخر عن مثل تلك الحالات
إلا أنها كانت التجربة الأولي لي لأن أشهد بعيني تلك الجلسات للمعالجة.
و انتقلنا من حديث لأخر ،
سألني علي عن حلمي للمستقبل و عن تطلعاتي و آفاق خيالي،
ماذا تريد أن تصير أو تفعل في المستقبل يا عرب؟
أجبته، أريد أن أسافر ، ألف الدنيا!!
أريد أن أتحدث بلغات عدة، و بالتالي أتمكن بالتحدث مع أناس كثيرين من بلاد و ثقافات مختلفة.
أريد أن أعرف الكثير و الكثير عن الحضارات الإنسانية المتنوعة ،
أريد أن أسمع و أدرس طرق التفكير المختلفة للبشر،..
هز علي رأسه برفق و قال أما عني فأنا حلمي أن أسافر إلي بلد واحد فقط ،
سألته، أي بلد هذا؟ قال علي، أريد أن أسافر الي أفغانستان .
ماذا؟! أفغانستان ؟!
كانت كل معلوماتي عن هذا البلد هي ما أتلقاه من أخبار أو أقرأه في الصحف
عن الحرب الروسية الأفغانية و أسماء عديدة غيبة أمثال حكمتيار، رباني، نجيب الله ...
و كذلك تذكرت عندما كان الشيخ كمال في مسجد القاضي بركات
يدعو لهم في أخر صلاة الجمعة كل أسبوع ،
كان يدعو لهم بالنصر علي العدو الروسي الكافر الملحد ،
و علي الرغم من أن روسيا الشيوعية كانت قبلتي القديمة ،
عرفتها ملحدة في مقولة لينين بأن الدين أفيون الشعوب
و عرفتها قوية حين إتسعت حدودها شرقاً و غرباً
و غزت أيديوليجيتها شرق أروبا و أواسط أسيا ،
و لكن و بعد أن كفرت بها و أنهيت تلك المرحلة من تفكيري ووجداني
صرت أميل للتعاطف مع الجانب الأفغاني في تلك الحرب حيث تحرك روبين هود،
نصير الفقراء و المظلومين، بداخلي
و تفهمت أن تكون مشاعري مثل مشاعر كل المسلمين متعاطفة مع المجاهدين الأفغان،
إلا أنه صعب علي أن أتفهم أو أتخيل أن يكون حلم شاب صغير مثل علي هو السفر
إلي هناك !!
لماذا تريد أن تسافر إلي هناك يا شيخ علي؟ سألته،
أجابني، أولاً الجهاد فريضة و علينا أن نجاهد لنصرة إخواننا المسلمين في أفغانستان.
ثانية، من هناك ستنطلق الشرارة !!
أي شرارة يا شيخ علي؟ سألته،
قال، شرارة تحرير كل البلاد الإسلامية و علي رأسها بلدنا مصر و كذلك تحرير فلسطين!
تحرير فلسطين؟ من أفغانستان؟ سألته،
و لكن المسافة بعيدة جداً يا شيخ علي؟!
إبتسم و قد فهم دعابتي ، و قال، قد تبدو لك بعيدة و لكنها لي قريبة، قريبة جداً!
هذا ما أخبرنا به الشيخ صفوت أميرنا!!
تعجبت، الشيخ من؟ صفوت؟ و أمير؟ أمير ماذا؟
نحن في جمهورية ، ليست مملكة أو إمارة!!
غداً ستصير تلك الأسماء مألوفة لك ، الشيخ صفوت، الشيخ أيمن ، و الشيخ أسامه!!
لم أفهم و أعلم من كانوا هؤلاء ،
بعد أن فرغنا من شرب الشاي أخذنا نستعد للنزول إلي الشارع
و الذهاب للمسجد مبكراً و الإستعداد لصلاة الفجر.
و أثناء هبوطنا الدرج فجأة سألني علي، ألا تتمني أن تكون من المقربين؟
أجابته متسائلاً مقربين إلي ماذا يا شيخ علي؟
عاجلني، المقربين إلي الله،
بالطبع، أجابته، و ها أنا أؤدي صلواتي و أصوم في شهر رمضان
و أحاول بقدر الإمكان أن أفعل الخير و أساعد المحتاج و أن أنتهي عن المعاصي
و فعل المنكرات ،
قال علي، لا يكفي!!
الجهاد! الجهاد هو أسمي الأماني ،
و لكن يا شيخ علي، أجابته، أنا أري جهادي في طريق أخر ،
أريد أن ألف العالم و أن أسمي بمستواي العلمي و الثقافي و أن أنهض بأسرتي و مجتمعي ،
أريد أن يفتح الكل هنا عيونهم علي العالم و ينظرون حولهم ليتفهموا و يتواصلوا
مع إخواناً لهم في البشرية ، و في كل مكان علي كوكب الأرض،
أليس هذا جهاداً؟!
أجاب علي، لا ، لو كان هذا جهاداً ما كان ترك الدكتور أيمن رسالة الطب السامية
و معالجة ألام الأخرين و ذهب إلي هناك!
لو كان هذا ما تعنيه هو الأفضل ما كان ترك الشيخ أسامه أمواله الطائلة
و الدنيا بما فيها من متع و متاع و ذهب إلي هناك!
كان الشيخ علي يتحدث عن أشخاص لم أسمع أو أهتم بهم أبداً
حتي جاء اليوم الذي صار فيه العالم كله يحفظ أسمائهم عن ظهر قلب !!
إنتهت الليلة بعد أن صلينا الفجر ثم عاد علي لبيته و كذلك فعلت أنا.
و كان القدر أقوي من أحلام و تطلعات علي
حيث لم تمر سوي أسابيع قليلة كنت قد إنتهيت فيها من امتحانات السنة النهائية
في الجامعة حيث إنشغلت بشدة و لم أستطع أن ألتقي علي أو أشرف في تلك الفترة ،
و بعد إنتهاء الإمتحانات قابلت إبراهيم بالمصادفة في حفل زفاف أحد أقاربنا
في عائلة الشريف ، و قبل أن يتحدث عن الكرة كما إعتاد فاجأني،
ألم تدري ماذا حدث للشيخ أشرف و الشيخ علي؟!
أجابته، لا فأنا لم ألتق بهما منذ ثلاثة أسابيع خلت، و طوال فترة الإمتحانات،
إستطرد إبراهيم قائلاً، لقد داهمت مباحث أمن الدولة بيت عم محمد، أبو علي،
في حارة زويله حيث وجدوا هناك ورقة صغيرة بها رسم كروكي لتصنيع القنبلة!!
و تم القبض علي علي و توقيفه!
أخذتني الدهشة! قنبلة؟! مستحيل !!
و لما سألته عن أشرف أخبرني بأنه لم يمض أكثر من ثلاثة أيام حتي
تم توقيف أشرف أيضاً !!
يا إلهي!
ماذا يحدث؟!
لم أعلم حينها ماذا كان يحدث،
و لكن تلك الورقة الصغيرة و آلتي كان بها تصميم صنع القنبلة،
حق الخبر أو كذب الأمن كما أعتاد أن يفعل في تلك الحقبة ،
سيان كان الأمر،
كانت كافية لأن تضع علي في المعتقل لسنوات طويلة
حرمته فيها من تحقيق حلمه بالسفر إلي أفغانستان ،
كما حرمته من الجهاد و الإستشهاد كما كان يتمني أثناء حرب الروس الذين دحروا
و جاء الأمريكان من بعدهم ،
حرمته من الموت في جبال تورا بورا أو في قندوز أو قندهار !!
نجته من الأسر و التعذيب في سجن جوانتينامو
و لعل القدر كان رحيماً بعم محمد أبو علي
ذلك بأن المشوار لزيارة إبنه في سجن طره أو معتقل وادي النطرون في صحراء مصر
كان أقرب بكثير من كوبا أو أفغانستان !!
و بعد أن ذهب علي و من بعده أشرف إلي غياهب السجون ،
و بعد أن قاسيت مرارة التجربة في معارك الشوارع بحارة اليهود،
و من قبل ذلك إنهيار حلم الإشتراكية و العدالة و المساوة بإنهيار الشيوعية و هجراني لها ،
و بعد أن مضي أكثر من عشر سنوات من حكم مبارك لمصر
و حيث لم أري في البلاد إلا ظلماً أكبر و فساداً أكثر
بدأ الحلم و الأمل يتلاشيان أمام عيني
و صرت أتحين الفرصة للهروب الكبير!!

















